|
أتابع الفضائية الارترية مضطراً وليس مخيرّاً ، ًكحال الكثير من
المهتمين من بني وطني الذين يتابعونها مضطرين من أجل كشف وتعرية وتبيين
ما ينشر فيها من معلومات مختلقة ومغلوطة في تاريخ الثورة الارترية
للناشئة في الداخل والخارج حتى لا يظنوا أن ما يشاهدونه هو التاريخ
الحقيقي لنضالات آباءهم وأجدادهم ، ولا يعني ذلك أن كل ما ينشر مختلق
ولكن ينشر حسب رغبة الحزب الحاكم الذي أصبح وخاصة في الآونة الأخيرة لا
يتورع عن تجيير كل نضالات الثورة الارترية منذ نشأتها لصالحه ، ولا
يأتي إلا بمن ينتقيهم من القادة الميدانيين ويترك من لا يوافقوه في ما
ذهب إليه من ظلم للمواطنين وتكميم الأفواه وتعطيل الدستور والإخفاء
الغير المبرر والسجن لمدد طويلة دون محاكمات ولو كانوا من الجبهة
الشعبية نفسها.
وقد بدا للناشئة بل لمن أدوا الخدمة الإلزامية بأن كل نضالات الثورة
الارترية لم تتم
إلا عن طريق الجبهة الشعبية وأن العدو لم تكسر شوكته إلا أمام صمود
الجيش الشعبي لتحرير إرتريا دون غيره ، وقد قابلت عدد مقدر من الشباب
ممن لا يعرفون شيئاً عن الثورة الارترية إلا ما ينشر عبر وسائل إعلام
النظام التي تقلب الحق باطلاً والباطل حقاً.
ولم يقتصر هذا التهميش وهذا الطمس على النضالات والبطولات بل تعداها
إلى جعل اللغات الارترية التي حسب مزاعم الجبهة الشعبية هي تسعة رغم أن
اللهجات ستة واللغتين الرسميتين اثنين هما العربية والتجرينية منذ أن
أصبح لإرتريا ملامح الدولة في بداية خمسينيات القرن الماضي أي في فترة
تقرير المصير والحكم الفدرالي ومروراً بفترة الكفاح الارتري المسلح
وخاصة في جانب جبهة التحرير الارترية والفصائل الأخرى ما عدا الجبهة
الشعبية التي انتهجت الأحادية الثقافية والفكرية والتعليمية في كل
معاملاتها اليومية وبشكل متعمد ، وقد قالها رأس النظام حالياً ونائب
الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير إرتريا آنذاك " بأن الجبهة الشعبية
لم تجد معلمين مؤهلين لتعليم الناس اللغة العربية " وقد رد على هذا
التصريح الكثيرين منهم كان د. جلال الدين محمد صالح أحدهم حيث بيّن في
رده على أن هناك من تعلموا أصول اللغة العربية وفنونها من أبناء إرتريا
ولكن لم تهيئ لهم الأرضية ليعلموا اللغة العربية.
ثم جاءت مسودة الدستور التي أعدت من قبل لجنة تم تعينها بواسطة النظام
لتخرج لنا ببند في الدستور يقول:
المساواة بين اللغات
، إلا أن الواقع المعاش منذ تولي نظام الجبهة الشعبية الحكم لم نرى إلا
ترسيخ للأحادية الثقافية والفكرية في شتى مجالات الدولة ، وقد أصبح
نسيب اللغة العربية التي كانت لغة رسمية محصور في تسويد صفحات
الاستمارات واللافتات والكتابة بها في الصحف الرسمية ، وكل من كتب بها
معروض رد إليه حتى يترجمه لأن موظفي دولتنا الفتية لا يجيدون إلا اللغة
التجرينية وعلى كل من يرغب في تقديم الطلب إما الكتابة بالتجرينية أو
ترجمة ما كتب بالعربي إليها ، وحتى اللغة العربية والتقرايت أصبحت
محصورة في نشرة الأخبار (أكبار) وبعض الخربشات هنا وهناك وحتى هذه
الخربشات التي يسمونها زوراً بأسماء ومسميات عربية كبرنامج أوراق ملونة
وبالتقرايت هدق يؤتى فيها بأعمال قام بها أصحاب ثقافة التجرينية أو
تجارب خاصة بهم ، ويكون نصيب المستمع للعربية والتقرايت مجرد استماع
كلام عربي وعمل أو فكر لا يشبهه ولا يمثله بحال من الأحوال.
ثم جاء برنامج أو حملة تطوير التقرايت ورصدت له ميزانية ضخمة وكأن
التقرايت لغة فقيرة يخشى عليها من الانقراض ، وفي الواقع هي أقوى وأوسع
وأغنى وأجمل في مفرداتها والتعبير بها من التجرينية ، والهدف من
الاهتمام بتطوير التقرايت حسب اعتقادي ومن خلال المتابعة هو طمس اللغة
العربية لأن غالبية أبناء الشعب الغير ناطقين بالتجرينية يجيدون
التقرايت ، وسوف يؤيدون هذا الاتجاه وقد وجد بالفعل من يطرب لهذا الأمر
الذي وراءه ما وراءه ، ورغم كل ما قام به أدعياء تطوير لغة التقرايت لم
يحفظ لها حقها في أخذ مكانها في الفضائية الارترية والدليل هو ما
اخترته لمقالتي وسبب اختياري لهذا الموضوع هو ما رايته في الفضائية
الارترية من قيام مخرجي أو منتجي التمثيليات بترجمة على الشريط باللغة
التجرينية وكأن التقرايت لغة دخيلة ، فرب سأل يسأل فيقول: وماذا تضير
الترجمة إذا كان الهدف منها إفهام المشاهدين؟ أقول: لا ضير ولكن
بالمقابل أتساءل لماذا لا تترجم الأفلام الأجنبية التي تعرض عبر
الفضائية الارترية إن كان الهدف هو إفهام المشاهدين ؟ ولماذا لا تترجم
التمثيليات والأفلام ، واللقاءات التي تكون بالتجرينية إلى التقرايت أو
إلى العربية؟
فمن الغرائب أن المهرج سانتياقو يوجه أسئلته في برنامج المسابقة
المعروف بـ " تعوّت " في مدينة جدة بالمملكة العربية السعودية ومع
أطفال يعيشون في جدة باللغة العربية ثم يترجمها مباشرة لمشاهديه في أرض
الوطن وخارجه كأنهم جميعاً من التجرينية.
فالمسألة واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار ولكن هل من منتبه؟ فأقول
لكل حريص على ثقافته ولغته أن يسأل نفسه إلى متى نظل صامتين تجاه ما
يجري من طمس للثقافة والتراث الأصيل لشعبنا مقابل ازدهار وتطوّر ثقافة
التجرينية؟ التي لا يعترف أصحبها لكائن من كان بارتريته إلا إذا كان
يجيدها ، وإلا فهو ليس بإرتري.
ومن الطرائف أن مواطن درس في قريته بلغة الساهو جاء إلى العاصمة اسمرا
لقضاء بعض المصالح في دائرة من دوائر الدولة فتعرض للاهانة من إحدى
الموظفات التي قالت له حسب ما ذكر ذلك في إذاعة صوت الجماهير :
( كندي قزاع تخوّنسي تجرينيا ايتفللطن تبل)
وتعني رجل بطولك وعرضك تقول ما تعرف التحدث بالتجرينية؟ وهذا بداية
نتاج التعليم (التجهيل)
بلغة الأم والبقية تأتي.
وكما نقلت لنا وسائل الإعلام الالكترونية أن وزير الدفاع الارتري
الجنرال سبحت افريم في اجتماعه الذي عقده في مدينة جدة بالمملكة
العربية السعودية تحدث بالتجرينية فحين طالب الحضور بالترجمة تصدى لهم
مسئولي النظام ورفضوا الترجمة فكان ذلك سبباً في انفضاض الاجتماع قبل
موعده.
أبعد هذا نقول المساواة بين اللغات؟ ولنا عودة.....
والله من وراء القصد |