رحمك الله أبا نوال

بقلم \ محمد النور محمود ـ الرياض

 

04/10/2008م     

 

فجعت كما فجع غيري بخبر وفاة الشيخ المجاهد محمد إسماعيل عبده يوم الإربعاء الماضي ثاني أيام عيد الفطر المبارك، المصادف للأول من أكتوبر 2008م، فجعت وإن كنت قلقاً منقبض الصدر منذ أن سمعت بخبر مرضه الأخير الذي أدخل بسببه غرفة الإنعاش، ولم أطمأن كثيراً رغم خروجه من المشفى ورجوعه إلى بيته رحمه الله رحمة الله واسعة، وأسكنه فسيح جناته، ورفع درجته في المهديين وخلفه في أهله في الغابرين، وغفر الله لنا وله أجمعين، وجبر الله مصيبة الشعب الإرتري بفقدانه، وعوضهم خيراً، والحمد لله على قضائه وقدره خيره وشره، ولا نقول إلا ما يرضى الرب إنا لله وإنا إليه راجعون.

وقد تذكرت أن أتأمل مناقب الشيخ رحمه الله وما رزقه الله من أبواب البر والطاعة مما لم يوفق إليها الكثيرون، تذكرت أبياتا لأحد الحكماء يحدد فيها خمسة شخصيات تستحق أن يبكي الناس لفراقهم:

1.   عالم رباني صاحب دين وورع يعلم الناس الخير، ويكون قدوتهم فيه.

2.   حاكم عادل ينشر العدل ويبسط الأمن والرخاء بين الناس.

3.   عابد زاهد يربي الناس بعبادته وزهده في الحياة.

4.   رجل كريم شهم يقضي حاجات الناس ويفك كربهم.

5. فتى شجاع يقول لا لكل جائر، ويعلم الناس بسلوكه أن الإقدام لا ينقص في العمر، وأن الإحجام لا يؤخر في الأجل

هؤلاء الخمسة هم الذين يبكى الناس لفقدهم، أما بقية الخلق فهم من سقط المتاع حياتهم كموتهم، ووجودهم كعدمهم، ولله الحكمة البالغة في إيجادهم، وأحسب أن الشيخ رحمه الله قد حاز صفات الأصناف الخمسة كلها، فقد كان يسارع إلى تطبيق ما تعلم من علوم الشرع، وكان في سلك القضاء فما وجد المتخاصمون مثله في الإنصاف والعدل، ويذكر كل من خالطه عبادته وقيامه الذي لم يتركه لا في سفر ولا حضر، وكان جواداً بيته مأوى لكل محتاج لم تمنعه قلة ذات اليد، ولا خشية الفقر من الإنفاق والتبرع بماله ووقته وقوته، أما الشجاعة فقد طرق أبواب الموت مرات عديدة في إرتريا وأفغانستان رحمه الله رحمة واسعة وأرجو أن يكون مقامه عند الله أكبر وأرفع من حسن ثنائنا وذكرنا له.

يقول الشاعر في الأصناف الخمسة:

إذا ما مات ذو علم وتقوى *** فقد ثُلِمت من الإسلام ثُلمة

وموتُ الحاكم العدلِ المولّى *** بحكم الشرع منقصةٌ ونقمة

وموت العابدِ القـوّام ليـلاً *** يُناجي ربّه في كـل ظلمـة

وموتُ فتىً كثير الجود محـلٌ *** فإن بقاءه خصـبٌ ونعمـة

وموتُ الفارس الضرغام هدمٌ *** فكم شهِدتْ له بالنصر عزمة

فحسبُك خمسةٌ يُبكى عليهم *** وباقي الناس تخفيف ورحمـة

وباقي الناس همـجٌ رعـاعٌ ** وفي إيجادِهـم لله حكمـة

 

لقد كنت أتمنى أن يؤجل الله في عمر الشيخ أبي نوال حتى تقر عينيه باستعادة المسلمين في إرتريا لحقوقهم، وينعموا بكرامتهم وحريتهم في بلادهم، ويرى بنفسه ثمرات جهاده وتربيته على أرض الواقع، ووقتها كان سيكون له من العزاء والتكريم حياً وميتاً ما يليق بأمثاله من أبطال إرتريا الذين قضوا نحبهم قبل أن يبزغ فجر العودة الصادق، ولكن لله الحكمة البالغة في قضائه وقدره، ولئن فقدنا الشيخ أبانوال فإننا على الدرب سائرون حتى يتحقق لنا إحدى الحسنيين إن شاء الله.

وعصر أمس الجمعة اجتمع الناس في الرياض للعزاء في وفاة الشيخ بدعوة من الحزب الإسلامي الإرتري للعدالة والتنمية فرع الرياض وكان مشهداً مهيباً وحضوراً كبيراً، حضر الإرتريون بكل أصنافهم وتوجهاتهم، والكل كان يعبر بعفوية وتلقائية عما عرفوا من خصال الخير والصدق والهمة والشجاعة، والجود والسخاء، عبروا عن حبهم للشيخ وثنائهم عليه، كما تحدث رفاق دربه وتلاميذه عن عفة لسانه، وصدق قلمه، وحفاظه على وقته، وحسن تنظيمه وإدارته، وكثرة تبتله ودعائه وقيامه بالليل ... وأرجو أن يكون ذلك كله من عاجل بشرى، وبشارة خير بخاتمة حسنة للشيخ رحمه الله، فالناس شهداء الله على أرضه، وهذا الثناء قل أن يجتمع لشخص.

إن هذه الصفات الكريمة التي اجتمعت في هذا القائد المبارك تذكرنا بواجبنا تجاهه من عدة نواحي:

(1)    ـ واجب الدعاء له والاستغفار له والترحم عليه ونشر مناقبه، وكتبه ومذكراته، فقد اجتمعت في كتابته الدقة والأمانة، والشمول، وهذه المعلومات من حق الإرتريين كافة والمسلمين بشكل أخص أن يقرأوها، وقد نشر بعضها في موقع الحزب الإسلامي على الإنترنت.

(2)    ـ واجب المحافظة على الرسالة التي من أجلها الشيخ، وأفنى عمره كله في سبيلها، فهي رسالة تستحق أن يضحى من أجلها، حتى ينال المسلمون حقوقهم المسلوبة، ويستعيدوا كرامتهم وعزتهم.

(3)    ـ الاهتمام والتأكيد على العمل المؤسسي في مواجهة نظام الجبهة الشعبية، فكدر الجماعة خير من صفاء الفرد، ولم يرض الشيخ يوماً أن يكون بعيداً عن العمل المؤسسي المنظم، وإن أشخاصاً كثر وجدوا  في أنفسهم عشر ما كان للشيخ من كفاءات وإمكانيات رأيناهم يصرون على إقامة تنظيمات يكونون على رأسهم، أو يقفون تحت راية الاستقلالية والحياد ـ زعموا ـ  وهو ما فتت جهود المعارضة الإرترية عامة، وأطال في عمر  النظام.

إنني أعزي في وفاة الشيخ رحمه الله كل محبيه، وعلى رأسهم قيادة الحزب الإسلامي الإرتري للعدالة والتنمية وأسرته المباركة، ثم جميع محبيه، ونسأل الله الكريم المتفضل أن يخلف علينا خيرا منه.

 
 

قال تعالي: (ولنبلونكُم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين ،الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون،أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المفلحون )، سورة البقر الآيات(155-157).

توفي الشيخ/ محمد إسماعيل عبده (أبو نوال) رئيس مجلس شوري الحزب الإسلامي الإرتري للعدالة والتنمية في صبيحة 2 / شوال 1429م ،الموافق 1/ أكتوبر 2008م علي عمر تجاوز السبعون عاما ، ولد الشيخ في مدينة صنعفي في بيت عرف بالدين والعلم ،ولذا وجد اهتماما وتشجيعا نحو العلم من الأسرة إضافة إلي همته ورغبته الذاتية.

إذ بدأ مراحل تعلميه الأولية والوسطي في إرتريا ،ثم هاجر إلي جمهورية مصر العربية طلبا للعلم ،حيث درس الثانوية وما فوق الثانوية وتخرج من دبلوم تجارة .

أثناء فترة دراسته في مصر التحق بحركة الأخوان المسلمين وعمل في صفوفها منذ عام 1954م ، حيث كان من قبل من شباب حزب الرابطة الإسلامية الإرترية الذي تأسس منذ أربعينات القرن الماضي ،وبعد تخرجه وعودته إلي إرتريا عمل في حقل التعليم معلما ومربيا للأجيال بمدرسة الجالية العربية في أسمرا حتي عام 1964م ،إذ خرج  حينها من أسمرا متخفيا والتحق بجبهة  التحرير الإرترية في الميدان  ،بعد أن علم أنه مطلوب القبض عليه لناشطه السياسي  واتهامه بالانتماء لجبهة التحرير الإرترية.

والجدير بالذكر أنه كان عضوا عاملا  في حركة تحرير ارتريا التي سبقت قيام جبهة التحرير الإرترية، ثم التحق بجبهة التحرير الإرترية  منذ تأسيسها  في عام 1960م،كما أفاد بذلك رفيق دربه وصديقه الشيخ/ حامد تركي.

أسرته الصغيرة : خلف الشيخ ستة من الأولاد ،ابن واحد وخمس بنات وهم بالترتيب –

د/ نوال (أم مازن) طب كسلا ،د/ مواهب طب شندي، زينب – اقتصاد الخرطوم، هناء – آداب الخرطوم ،عبد الرحمن –تجارة جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا، هدي– اقتصاد الخرطوم، وكل أولاده أكملوا تعليمهم  الجامعي ماعدا هذي أصغرهم في السنة الثانية، مضي الشيخ إلي الأجل المحتوم (كل نفس ذائقة الموت) وأفضي إلي ماقدم وترك لنا علي المستوي الخاص ذرية نجباء صالحين وزوجة عصامية صابرة محتسبة كانت له خير معين علي طريق الدعوة والجهاد ،وخير معلم ومربي لأولادها.

المواقع التي عمل بها : كلف الشيخ محمد إسماعيل بالعديد من المهام والمسئوليات التي هو أهل لها، دون أن يسعي إليها أو يتطلع نذكر من أبرزها :

1/ عضو القيادة الثورية في عام 1965م

2/عضو المجلس الثوري في عام 1975م ،كما عمل في تلك  الفترة رئيسا لمحكمة الاستئناف التابعة للجبهة التحرير الإرترية إلي حين اعتقاله في نهاية السبعينات من قبل الجبهة .

3/ رئيس منظمة الرواد المسلمين الإرترية  من  1981-1988م.

4/ أمين العلاقات الخارجية لحركة الجهاد الإسلامي الإرتري من 1989-1994م.

5/ نائب أمير حركة الجهاد الإسلامي الإرتري (عرفة )1994-1998م.

6/ رئيس مجلس شوري حركة الخلاص الإسلامي الإرتري 1998-2004م.

7/ رئيس مجلس شوري الحزب الإسلامي الإرتري للعدالة والتنمية 2004-2008م

قطوف من خصاله ومناقبه :خصال الشيخ محمد إسماعيل ومناقبه عظيمة جليلة تتبعها ورصدها يحتاج إلي دراية وطول صبر ولذلك نحن نذكر بعضا من ذلك علي سبيل المثال لا الحصر.

·               كان الشيخ/ محمد إسماعيل رجلا موفقا جمع الله له بين السياسة والدعوة والإدارة والتربية والتعليم ،والقضاء.

·               كان يتمتع بعلاقات واسعة علي المستوي الارتري (الوطني والإسلامي) وأيضا علي مستوي الأشقاء والأصدقاء أفرادا وأحزابا وجماعات، ويحظي باحترام وتقدير من الجميع .

·               كان من دعاة الوحدة علي كل المستويات الإسلامية والوطنية ،ورجل الوسط الذي كل يخطب وده.  

·               كان هميماً يتدفق حيوية ونشاطاً ،محبا للدقة والنظام، صاحب ذهن صافي وذاكرة حية متقدة ،سجل لنا بعضا مما كانت تحويه ذاكرته في حلقات متسلسلة بلغت في مجملها (17) حلقة ، تحت عنوان: الثورة الإرترية و حصاد ثلاثون عاما، صدرت تباعا في نشرة الرباط لسان حال الحزب الإسلامي الإرتري للعدالة والتنمية حاليا،نأمل أن تري النور في إصدارة جامعة تخلد اسمه وذكراه ويستفاد منها الأجيال .

·               كان من القلائل المخضرمين الذين عاصروا كل مراحل الثورة الإرترية وتطوراتها صعودا وهبوطا ثورة ودولة ،وهو يتمتع  بوعي سياسي ونضج فكري وثقافي، كان طيب المعشَر لين الجانب يألف ويؤلف ،يحبه كل من عمل معه أوتعرف عليه .

·               كان عابدا ورعا زاهدا ساجدا باكيا متضرعا، أبو نوال رجل تبكيه السماء والأرض ولكن مانقول إلي مايرضي الرب أنها سنة الحياة (كل من عليها فان ).

·               نعاه الشيخ خليل محمد عامر الأمين العام للحزب الإسلامي الإرتري للعدالة والتنمية في أمسية اليوم الثاني من وفاته 2/ أكتوبر في ختام العزاء بكلمات مختارة فقال فيه:

·               الشيخ أبو نوال– لم يشغل وقته إلا بالدعوة والجهاد.

·               كلنا غرس أبو نوال.

·               هو الأب الودود الحنون.

·               نحن فقدناه في أحلك الظروف.

·               رحل أبو نوال من دنيانا الفانية ولم يترك شيئا يورث لاداراً ولا مالا.

·               عمر طويل وعطاء جزيل واستقامة في الدين والخلق ،إنها لعيشة هنية في رحاب الدعوة والجهاد ،وميتة سوية مشفوعة بحسن ختام بعد صيام وقيام ،هذا ظننا وتقديرنا والله يتولي السرائر .

اللهم تقبله عندك مع الصديقين والشهداء والصالحين

وحسبنا الله ونعم الوكيل

 
 

awna1@hotmail.com

awnaer@Yahoo.com