ندا ء من طفل إرتري

إلي أفورقي

 

معسكر ود شريفي للاجئين

بواسطة / عبد الوهاب حامد 
ارشيف عونا 

18/09/2008

 

أنا طفل إرتري رضعت من ثدي الايام الكالحة حليبا آسنا بالبؤس والشقاء ،، في خيمة بالكاد تستر اجسادنا النحيلة نعيش أنا وأبي وإخوتي الصغار،، أما أمي فهي هناك تنام في أطراف المعسكر نومتها الاخيرة..

نستجدي لقمة عيشنا من وكالات الغوث التي تجود تارة واخرى تشح وتضن علينا فيسعى أبي ويغيب عنا كثيرا  ثم يعود محملا بالخبز والحليب أحيانا وبخفى حنين أحيانا اخرى، وهكذا يتحرك دولاب حياتنا الرتيبة..

السيد الرئيس – ذات مساء ككل المساءات البائسة وجدتني أجتر شريط هذه الفانتازيا المؤلمة وحياة الذل والانكسار بعيدا عن الوطن، فقفز السؤال المر لينكأ جراح القلب الدامية وتصهل خيول الحزن التي أتخذت من أعماقي مربطا لها:-

لماذا  لا نعود إلى الوطن وقد خرج المستعمر عنه؟!

أعدت السؤال مرات ومرات لكني لم أسمع غير رجع الصدى والرياح التي تعوي خلف الخيام .. كم هو قاسيا على طفل مثلي أن يجد نفسه محشورا في حاويات الدهشة والحيرة و... أخيرا قذفت به في أذن والدي:

لماذا لا نعود إلى الوطن وقد خرج المستعمر عنه؟

أرتسم الحزن في عينيه الحزينتين فأشاح عني ثم بصق على وجهي كلمات مازالت تتحشرج في ذاكرتي التي لا تصدأ ولا تعرف النسيان...

حرس الحدود مرابط يحمي الحدود من الحنين!!

تخيل معي يا سيادة الرئيس، فحتى الحدود وضعتم عليها سياجا يحميها من الحب والحنين؟!

لم اصدق ذلك فقد لمحت بالأمس القريب صورة على إحدى الصحف التي تسللت إلى معسكرنا صدفة فتهجيت الاسم المنحوت اسفلها إ، س، ي، أ، س.. ياألله، إنه أنت سيدي الرئيس، بقسماتك المشرقة وابتسامتك التي يشح منها بريقا تحسدكم عليه الموناليزا نفسها ،، سامقا كالنخيل تستطيل حدو الشمس،، أنيقا تبدو بقامتك المديدة و.... ما أروع ربطة العنق التي تزين صدركم .. أقسم إنكم أجمل بل أوسم رؤساء العالم أجمع ولكن قل لي سيادتك: لماذا لا تجعل لهذا الجمال موضعا في ثنايا القلب وتروضه على الحلم فتصفحوا عنا نحن أطفال المعسكرات الهائمين على وجوهنا وتفتحوا لنا في جدار الوطن كوة نستنشق عبرها دفئا وتحنانا أفتقدناهما هنا في دهاليز المنافي والشتات؟

أيها الرئيس .. لم اصدق وشايات الناس التي تصفكم بالدكتاتورية والوحشية فصورتكم الماثلة أمامي لا تشئ بذلك ولكن رويدا رويدا بدأ الشك يتسلل إلى قلبي حينما سألت عن أعمامي، محمود ديناي، عثمان داير، ومحمد خير موسى و.... فهمس أبي: انهم في سجون أسمرا إن كانوا فعلا أحياء‍‍‍‍‍‍‍‍‍.

أرجوك لا تفعل يا سيادة الرئيس فمنهم تعلمنا وتعلمتم أبجديات النضال والثورة التي تسلقتم عبرها إلى شرفة الوطن المحرر... ذلك الوطن الذي استحال في عهدكم الميمون "وطنا" للجراح المثخنة،، وطنا تعض نواجذه اليد التي أغدقت عليه حبا وسقت أرضه البكر دماءا أزكى من عنبر،، وطنا للغرباء القادمين مع  الغروب،، وطنا للذين حجبوا عنا قرص الشمس وقذفوا بنا في متاهات الضياع والمجهول،، وطنا سنعانق ثراه إنشاء الله عندما يهتف الصباح لنا، وإن غدًا لناظره قريب..

سيادة الرئيس .. أنا لا أخفي إعجابي بكم أو عجبي منكم فقد أثبتم إنكم أجدر من يقود  هذه البلاد إلى بر الأمان فقد لقنتم "التقراي" درسا لن ينسوه أبدا ولم تثنكم عن ذلك "صلة الرحم والقرابة" ولم تخيفكم جحافل "العقامي" وهاأنتم أعدتم بادمي وشرارو وعلى أسنة الرماح بل مضافا إليهما خمسا وعشرون كيلو متر من الأراضي الاثيوبية وهكذا حشرتهم في مذبلة التأريخ...

وبذكائكم اللماح أيضا استطعتم أن تجعلوا من السودان مسخا مشوها وعلمتهم كيف تصان حرمة الاخوة والجوار... وقد تمكنتم بجرأتكم المعهودة أن تضيفوا "حنيشا" إلى الخارطة الارترية فلم يعد اليمن سعيدا كما يسمونه .. وبهذه المناسبة يا سيادة الرئيس، أحقا ما يتداوله الناس في مجالسهم أم إنها نكاية الحسٌاد، إذ يقولون أنكم قد بعثتم فرقة من البحرية الارترية لانقاذ إمرأة من المرتفعات جرفتها مياه البحر الأحمر صوب اليمن، يقال إن اسمها "ألقانيش" ويبدو أن رادارات الاخوة اليمنيين قد تشابه عليها البقر فظنوا أنكم تضمرون شرا لحنيش ما حدا بهم أن يدقوا طبول الحرب ويؤلبوا الرأي العام العربي ضد إرتريا لا لجرم اقترفته سوى استشفاء رئيسها في إسرائيل من حمى دماغية طارئة المت به ... ثم كان ما كان بعد ذلك فعاد اليمنيون من "لاهاي" بحنيشهم وعدتم أنتم تجرجرون أثواب ألقانيش

سيادة الرئيس .. أسمح لي هنا أن أدق ناقوس الخطر فأحذركم من عاقبة تكرار ما حدث في حنيش على المياه الاقليمية للمملكة العربية السعودية في بحثكم عن ألقانيش اخرى لا سمح الله ..

لأنه ليس في كل مرة تسلم الجرة كما يقولون، فقد رسم السعوديون على شواطئ جدة قريبا من الأماكن المقدسة لوحة رائعة الجمال تسمى "الكورنيش"،، لاحظ سيادتك أن شبح الحروف الأخيرة لكلمة ألقانيش التي رمتكم في مستنقع الوحل اليمني مازال ماثلا هنا أيضا ما قد يسبب ذلك كارثة لا تحمد عقباها لأن الله قد أوجد في تلك الأرض جيشا فتاكا اسمه "الطير الأبابيل" وهو الذي أهلك جدكم أبرها الأشرم قبل آلآف السنين..

عفوا يا سيادة الرئيس إن أطلت عليكم بثرثرة لاتخلو من براءة الأطفال الذين شاخوا

تحت وطأة الزمن القاشم وثقل هراوات الطغاة الموغلين في ساديتهم العمياء .. وعفوا أن شغلتكم عن نسج خيوط المسخ المشوه الذي تحيكونه قبعات تضعونها على رؤوس اخوتنا في السودان واليمن وسائر دول الجوار وعفوا يا سيادة الرئيس إذ خاطبتكم باللغة العربية التي تمقتونها فلم أجد من يترجم حروف رسالتي إليكم لأن أطفال "كبسا" الذين كانوا معنا هنا في المعسكر قد رجعوا غداة تحرير إرتريا وقد وعدونا بارسال تأشيرات دخول إلى الوطن" بعد إذنكم طبعا" لكنهم لم يفعلوا إذ يبدو أن سيادتكم يسئ الظن بنا نحن الأطفال أيضا ولا يدري أننا أعجز من أن نسبب لرئيس في مثل" قامتكم الطويلة " ما يعكر صفوه وليس بين أطفال معسكرنا مشاكسا " كمحمد الدرة" وبالطبع فإن أيادينا النحيلة لا تقوى على رمي الحجارة فقد نال منها السقم والاعياء أي منال.

 
 

awna1@hotmail.com

awnaer@Yahoo.com