خواطر/ د. ود كرن
بمناسبة يوم المعتقل الإرتري ( 14/4/2016)

 
 

عذرا تركناكم ... إذ نحن أشباه الرجال ولا رجال

مع إشراقة كل يوم جديد .. مع إطلالة كل عام وليد .. مع بزوغ فجر الرابع عشر من إبريل من كل عام .. الآلام والأحزان تتجدّد .. الآمال والأحلام تتبدّد ..

أيتها القامات السامقات كسموق "إيتعبر" الراسيات العنيدات كعناد "فورتو" من يستطيع هدم جبل – ناهيك عن جبال – بضربة واحدة من فأس عتيد صَدِئٍ متآكل!؟

ربع قرن إلا عاما.. والوُجوم هو الوجوم .. والخنوع هو الخنوع !! عذرا سادتنا وعلماءنا، فأقل ما نوصف به في ذكرى اعتقالكم أننا أشباه الرجال ولا رجال ..

كنتم الشمس لدنيانا .. والقمر لسماءنا .. والهواء لحياتنا .. وبفقدكم فقدنا كل ذلك .. وأنى لأناس – إن كانوا طبيعيين – أن يعيشوا حياة طبيعية وهم يفتقدون ضوء الشمس، ونور القمر، ونسيم الهواء !!؟؟

سنذكر ما حيينا "عبد العليم" وكاريزميته وعلمه .. و"علي حسن" ودأبه وكدّه .. و "طاهر" وطهره ونقاء سريرته .. و "إبراهيم جمع" وعزمه وتواضعه" .. لن ننسى ما بقينا "إبراهيم بخيت" وحزمه .. و "أبويكر" وحيويته .. و"عبد الرحمن أمحراي" وابتسامته .. و "محمد حامد" و شخصيته .. ومن قبلهم عميدهم " محمد مرانت" وشجاعته .. ومن بعدهم رفيقهم "يسن برعيداي" وفصاحته .. ومن بعدهم العشرات بل المآت والألوف .. لما رأت عصابات الغدر خنوعنا .. وأننا لا نحرك ساكنا .. اقتادت في جنح الظلام عددا كبيرا من علمائنا ووجهاءنا وتجارنا.

نهديكم أحبّتي سلاما لا ككل السلام .. سلاما ملؤه العطر، وعبيره الندى، وشذاه الياسمين.. بعدد المصطفِّين في "جوكو" لأداء صلاة العيد.. أو المتزاحمين لمشاهدة مباريات في كرة القدم بين فريقي " بركه" و "النصر" .. سيما القادمين من "قزباندا" و "كرن جديد" ..

بعدد ألوان زهور "أقبور طليان" و "فيوري، جيرا فيوري" وأغصان أشجارها قبل أن تهاجمها عوادي الزمن، فتتساقط أشجارها.. وتنكمش أوراق زهورها.. وتنضب نوافيرها..

بحجم تدفق نهر "عنسبا" قبل أن تنوقف مياهه من الخرير .. بعمق آبار "جرادين" كرن و بساتين "سودان ظبَّاب" .. بوزن البصل المحمول من "حملمالو" و"أوِلْترا" و "البَلَصْ" المستجلب من "قَلَبْ" و "مِحْلابْ".. بطعم فول "ودِّ قشِّي" و "حمَّتو" مطعم الهناء والسرور .. و"شاهي" قهوة بادْري" و "ود هَرْفه" .. بطعم "باني" فرن محمد

درار.. و ود ياقوت.. و "باسكوسي" .. بعدد " المندرين" و"الأرانشي" المستورد من "جاردين مكلاسي" .. آهٍ، أيها السجَّان و الجلاد.. كم أنت قاسٍ !!

بوزن حليب "مَطيقْ" وحليب "حِقانْ" القادم من "حليب مَنْتَلْ" و "جنقرين" .. وحليب "إِنْسَا" الآتي من "قُلْسَا" .. بحجم الحطب المجلوب من "بَقُّو" .. بحجم وضخامة أشجار "النِّـــيم" في شوارع مدينتنا الباسلة.. بعدد الباعة والمشترين والمتجولين في "فرشة خضار" و "شارع صياغين" و "شارع قِــــــنَّافُــو" .. بعدد حبات الذرة والـ "بلْتوكْ" و الـ "طافْ" في "فرشة أُكُلْ" ..

نهديكم عابق التحايا بعدد حبات الرمل و "الشّمْشَمْ" في "مَحَازْ" و "قظيتاي" و "شفشفيت" .. تلاحق اللعنات من كتب علينا السجون و التهجير والتشتيت..

ها هم أئمَّتي أمامي .. أتخيلهم يخرجون بُعَيد صلاة العصر من "معهد عنسبا" و "معهد جامع" و " معهد الضياء" يمرون بسوق المدينة، في تلك الملابس الأنيقة، والعمامات ناصعة البياض كبياض قلوب من يرتديها.. يكسوهم الوقار .. وتزينهم الفضيلة .. "الشاشات" الكيرة التي على رؤوسهم تحدثك عن رؤوس مثقلة بهموم الدين .. وآلام الوطن وإنسانه .. تنبئك عن عقول متفتِّحة وأذهان متفتِّقة .. أضناها الترحال في تحصيل العلم من أهله ومظانِّه .. "الشالات" العريضة المزخــرَفة التي تتدلَّى من أكتافهم، وتزيّن رقابهم، تَشِي بشيء من التكامل .. تفصح عن فسيفساء التركيبة السكانية لمدينة "كرن" وتمازج قبائلها وإثنياتها العرقية واللغوية والدينية المختلفة ..

كل أحياء المدينة، يا أساتذتي، وشوارعها وأزقَّتها تبثّكم شوقها إليكم .. بُحَّ صوتها من كثرة البكاء لفراقكم .. من "حلة سودان" إلى "دعاري" ومن " حشلا" إلى "كرن لعالاي" .. كل مآذن المدينة وقبابها .. تئنُّ لفقدكم .. وتتضرع إلى الله – من بيده مقاليد كل شيء – أن يفكّ الله أسْــرَكم .. ويعجّل الملك الجبار المنتقم بهلاك من تسبّب في حرمان أُسَــرِكم من التمتع بالعيش في كنفكم، و رحاب دياركم .
.

وداعا وأنتم في الزنازين وفي الحاويات إن كنتم أحياءً .. وفي جنات الخلد إن كنتم أمواتا..

سامحونا، كرامنا وكبارنا، على التقصير في حقكم .. حقا نحن أشباه الرجال ولا رجال .. !!!