تفاعلات القراء :
عزيزي القارئ يتشرف موقع عونا الإلكتروني بزيارتك وتصفحك للموضوعات التي نقوم بنشرها تحت أسماء كتابها. وتعزيزا للمشاركة والتفاعل بين القراء والكتاب، نتشرف بفتح نافذة نستقبل فيها تعليقاتكم على الموضوعات التي نقوم بنشرها وسنعيد نشرها للقراء تعميما للفائدة ، شريطة أن تكون الآراء موضوعية ، سواء كانت ناقدة أو موافقة لرأي الكاتب ، نحرص دوما على تقديم الرأي والرأي الآخر. كاتبونا بتعليقاتكم على هذا العنوان : awna1@hotmail.com  " ادارة الموقع "

عندما يَسرِق العَسْكر عيونَ الجَمال

كتب : احمد شريف
2016/05/14


.... فن الغناء والمسرح في إرتريا تاريخيا سبق الحراك السياسي والنضال المسلح ، الإبداع عموما كان البداية الفعلية للشعور الوطني بشكل عام....


في متابعة للمشهد الفني والإبداعي في إرتريا داخليا أو خارجيا ، دوما أتذكر عبارة ذكرها لنا الفنان العالِم الأستاذ : عبد الكريم عبد العزيز الكابلي في صيف عام 2007 ، أثناء زيارتنا بمنزله بالخرطوم بحري ، برفقة الفنان الكبير برخت منقتستي آب ، وآخرون ، حيث دار الحديث عن الفن ودوره في حياة الشعوب ، العبارة التي أتذكرها للفنان الكابلي هي : (إن كل ثورة في الحياة وراءها المبدعون ، ولكن بعد نجاح الثورة ، يغتال ذلك الإبداع والجمال العسكر ، ثم يأتي الانتهازيون فيسرقون ما سرقه العسكر من المبدعين ) أنتهى حديث الأستاذ الفنان الكابلي ، أتمنى له الشفاء العاجل وهو في مهجره الاختياري بالولايات المتحدة الأمريكية ، وأرجو كذلك للفنان العملاق برخت منقستي آب الصحة والعافية.

أبدا أتذكر تلك العبارة سالفة الذكر للفنان الكابلي ، خاصة وأنني كنت قريبا جدا من المحيط الفني في إرتريا ، وذلك طوال فترة تواجدي هناك لأكثر من سبعة عشر عاما ، من ناحية ، ومن ناحية أخرى وتحديدا في عام 1995 قمت بإعداد وتقديم برنامج وثائقي إذاعي للفنان الكبير عثمان عبد الرحيم ، أمد الله في عمره وفي منفاه الإجباري ، البرنامج كان لإذاعة صوت الجماهير الإرترية القسم العربي عبر برنامج ( رحلة في حياة فنان ) ، وذلك لحاجة في نفسي أولا ، ثم إيمانا مني بالفطرة الفنية للفنان . وربما لهذا السبب لا غيره ، فإن البرنامج بدأ وأنتهى ، بعد توثيقفه للفنان عثمان عبد الرحيم فقط . لماذا ؟ الإجابة لها قصة أخرى ، ربما نتحدث عنها في إطار التوثيق البرامجي الذي سنحاول الشروع فيه عبر هذا البرنامج إحياء للذاكرة الفنية في إرتريا .

برنامج رحلة في حياة فنان ، جاء إيمانا ، بدور الفن في إرتريا ليس في عهد الثورة فقط كما يعتقد البعض ، حيث لم يأت ذلك تماهيا مع الفعل الثوري وتداعياته ، بل على العكس ، الفن هو الذي كان له فعله الثوري ، وليس العكس ، النضال جاء مواصلة للدور الكبير الذي اضطلع به الفنانون الإرتريون ، في فترة الأربعينيات ، بشكل أو بآخر ، خاصة الظروف التي رافقت فترة الإتحاد الفدرالي ،

وهي الفترة التي يمكن أن تؤرخ لها ، كبداية حقيقية لتفاعل الأدب والفن والمسرح في إرتريا مع القضايا الوطنية. بدايات المواجهة كانت داخل المدن وفي قلب العاصمة على وجه التحديد ، وفي أروقة قسم الإعلام الإذاعة برنامج التقرينية وبرنامج (سني ماسيام) بلغة التقريت عندما كانت الإذاعة في إرتريا تتبع وزارة الإعلام الإثبوبية. في خشبة مسرح سينما أسمرا خاصة وغيرها من المسارح ، هناك بدأت ثورة الإبداع الحقيقي والفعل الوطني ، عبر فرقة أسمرا الفنية ، ماتاآ ، وبعد ذلك فرقة (روكيت ، وفينوس) وغيرها من الفرق الفنية التي لم تكن محصورة في الفن الغنائي فقط ، بل كان للمسرح حضوره الكبير وتأثيره القوي. من على خشبة سينما أسمرا ، كانت تقدم الأعمال الفنية الهادفة التي تحرض الجماهير ضد الهيمنة الإثيوبية ، وتلك دلالة على قوة ورصانة الرسالة الفنية التي أضطلع بها أولئك النفر من الفنانين والملحنين والعازفين والممثلين. لم تخل أمسية من الأمسيات ، والتي كانت تسبقها التمرينات لأكثر من خمسة أو ستة أشهر بشكل يومي ، لأعمال فنية تخرج من مخاض دائرة مراقبة النصوص الإثيوبية ، عقب انتهاء الحفل ، في الغالب يتم اقتياد مجموعة من أعضاء الفرقة إلى مكتب التحقيقات ومخافر الشرطة ، وذلك لتفاعل الجماهير مع ما يقدم من أعمال هادفة ورسالة وطنية واضحة المعالم والمبادئ كلها تصب في إكاء الروح الوطنية.

بالعودة إلى فكرة برنامج (رحلة في حياة فنان) ، قبل الشروع في التسجيل للبرنامج الذي استغرق تسجيله أربع أشهر باستديوهات إذاعة صوت الجماهير الإرترية في مقرها القديم ، حيث كانت الاستديوهات مجهزة بشكل جيد ، وفي موقع مناسب في قلب العاصمة أسمرا ، لأنها كانت من مخلفات الاستعمار الإثيوبي. بدأنا في بث البرنامج أسبوعيا ، حيث أستمر البرنامج سبعة أشهر تقريبا. الإعداد للبرنامج دفعني للبحث في إرشيف الإذاعة ، فتعرفت على الفن الإرتري الأصيل خاصة في فترة الإستعمار الإثيوبي بلونيه الملكي أو الشيوعي ، بالتالي ترسخت لدي قناعة بأن الفن والإبداع كانا الثورة الأولى للشعب الإرتري ، والبدايات الحقيقية للإحساس الوطني ، وذلك قبل نشوء الخلايا السرية السباعية وغيرها ، إنها البدايات الفعلية للحراك الوطني بشكل عام.

كل الفرق الفنية ، خاصة فرقة أسمرا الفنية ، ماتاآ ، على وجه التحديد ، وعبر رسالة مؤسسيها ومبدعوها من مختلف القوميات واللغات ، برأيي هي التي مهدت للهبات الوطنية الكبرى ، التي شهدتها فترة الكفاح المسلح. بالتالي كان طبيعيا أن يلتحق الفنانون الوطنيون بالنضال سواء في إطار جبهة التحرير الإرترية أو قوات التحرير الشعبية الجبهة الشعبية لاحقا.

صحيح كل نهضة في الأمم ، أمامها وخلفها عقل يدرك بحاسته المبدعة ، فيتننبه إلى ما يغفل عنه العامة ، أو ما لم يتمكنوا من الحديث عنه أمام سلطة وسطوة النظام ، المبدعون وبما وهبوا به من خاصية الاستشعار بما حولهم عدلا كان أو ظلما ، ثم تمكنهم من لفت أنظار الآخر خاصة الجماهير ، يستطيعون تحريك الساكن ، عن طريق مخاطبة الوجدان والمشاعر والوجدان ، في ألوان من الأدب والشعر والغناء والسمرح ، هذه اليقظة ، بالفعل تلهب النفس وتحرك فيها كوامن التضحية والثورة ضد القائم ظلما كان أو جهلا.

ولا يتسع المجال هنا لذكر كل الفرق الفنية ، التي لعبت دورا كبيرا في إذكاء الروح الوطنية لشعبنا ، وهو يشاهد تزوير التاريخ خدمة لمصالح الاستعمار وأعوانه في ذلك الوقت ، ولكننا نتحدث اليوم عن الفرقة الأم التي تفرعت عنها فرق أخرى ، على غرار ما شهدته الساحة الإترية من ظاهرة الإنشطارات هنا وهناك. فرقة أسمرا الفنية ( أو محبر تياتر أسمرا ) كما تسمى باللغة التقرنية ، نتناولها اليوم تخليدا لدور الفنانين الكبار الذين كان لهم الفضل في رفع وعي الجماهير والارتقاء بذائقتها الفنية والجمالية ، ودفعوا الجماهير إلى مؤازرة ثورته. وأذكر هنا جانبا من المعلومات التي أدلى بها الأستاذ الموسيقار الكبير أسرس تمسا ، أمد الله في عمره ، في مقابلة أجريتها معه أثناء عودته من أثيوبيا بعد أن أقام بها سنين عددا. ذكر الفنان أسرس تمسا وهو ملحن أغلب الألحان التي تغنت بها الراحلة تبره تسفوهوني ، أكد أن المؤسسين الحقيقيين لفرقة أسمرا الفنية ( ما تا آ ) هما الفنانان (تكابو ولدي ماريام) ، والفنان ( تولدي ردا) أمد الله في عمرهما ، وبقية الأسماء تأتي في إطار وضع قائمة ولوائح نظم العمل ودستور الفرقة ، حيث كان لقاؤه الأول بهما بمكتب وزارة التعليم في أسمرا عام 1961 ، بمعية الفنان رئيس فرقة أسمرا الفنية الأستاذ ألمايو كحساي. عقد الاجتماع الأول بالمكتب وطرحا فكرة الحفاظ على التراث والفني الإرتري الذي بدأ يتلاشى بفعل التراجع الذي حصل منذ نهاية الخمسينيات ، وأصرا الأستاذان تكابو وتولدي على تأسيس فرقة وطنية. ومهمة تلك الفرقة كان النهوض بالتراث والفن الإرتري ونفض غبار النسيان والهجران عنه ، خاصة وأن الشباب انكبوا على سماع الأغاني الغربية.

رحب الاستاذ أسرس بالفكرة ، خاصة وأن ألمايو كحساي هو الآخر كان موظفا بالمكتب المجاور ، حيث وجود تسهيلات تم الاستفادة منها ، مثل الكتابة على الآلة والطباعة وما إليها ، وعلى الفور دعيا لاجتماع فني ، وفقا للأسماء التي تقدم بها تولدي والفنان تكابو ، الاجتماع الأول عقد بمقهى السيد كحساي مكئيل ، ونظرا للعدد المحدود ، قرروا رفع الاجتماع لعقد اجتماع آخر ، وبفضل جهد المؤسسين

للفرقة ، عقد الاجتماع الثاني بحضور عدد أكبر ، حيث كان من بين الحضور ، كل من : أبرها قبري تنسائي ، جابر محمود ، أبرها قبري هويت ، أتو أتو برهان سقيد ، كحساي بزابي ، وآخرون. كان الحضور أكثر من 19 فنان وموسيقي ومسرحي . وخرج الاجتماع بقرارات ، أكدت على الهدف الرئيسي من تأسيس الفرقة ، وهو الحفاظ على التراث والفن الإرتري ، ويؤكد الفنان أسرس قناعته بأن المؤسسين الحقيقين لفرقة أسمرا الفنية التي لعبت دورا كبيرا في إذكاء الروح الوطنية ، هما الفنان تولدي ردا والفنان تكابو ولدي ماريام لا غير.

ملاحظة لا بد من الإشارة إليها في هذه الحلقة عزيزي المستمع ، أن إصرار الفنان أسرس على حق التأسيس وحصره على الفنانين الإثنين فقط دون غيرهما ، ينم عن تواضع المبدعين الكبار ونكران الذات ليس إلا ، فرقة أسمرا الفنية حقيقة تعني الأستاذ ألمايو حكساي والأساذ أسرس تسما ، هذه بشهادة العديد من الفنانين ومنهم الأستاذ الفنان الكبير الأمين عبد اللطيف وجابر محمود وكحساي بزابيه. الفنانان تولدي ردا وتكابو كانا لهما شرف الفكرة والدعوة فقط ، ولكن الإنطلاقة والإنجازات التي أعقبت فكرة التأسيس ، كلها كانت بفضل القواعد والنظم التي وضعت من قبل أسرس وألميايو. فقد كانت لوائح ودستور الفرقة واضحة وصارمة لا تقبل الالتفاف عليها أبدا ، وقد بذلا جهدا كبيرا في رعاية كل قادم إلى الفرقة الفنية ومسرحها ، لم يكتفيا بهذا فقط ، بل قدما أجمل وأقوى الكلمات وأعذب الألحان للجميع بلا استثناء ، كان يعملان ليل نهار من أجل مقارعة العدو بالكلمة الهادفة ، ويرفضان أي عمل ركيك مسف لا يخدم قضية الوطن أولا ، ثم الفن. وكانا حصيفان في كيفية مدارات الرسالة الوطنية عن أعين أجهزة المخابرات الإثيوبية ، لأنهما كانا على قدر من العلم والمعرفة العميقة بالأمور ، ورغم ذلك يتنازل الأستاذ أسرس عن التأيس والتطوير وغيرها ، إنها شخصيات من الزمن الجميل ، وكم نتمنى أن يستفيد الجيل الجديد من هذا السلوك الحضاري الفني الرفيع ، حتى نعيد إلى فهمنا الثقافي والفني الحالي جزءا من التعامل الحقيقي مع الفن والإبداع الذي افتقدناه ، وأخترنا التعامل مع الإبداع بعقلية تجارية بحتة ن وما وصله المشهد الفني والثقافي في إرتريا من تردي وإسفاف شاهد على ذلك.

تقول وثائق فرقة ماتاآ (فرقة أسمرا الفنية) ، عقب الاجتماع الثاني تم استئجار منزل متواضع بشارع (أنزوماتنزو) وهو الشارع المقابل لمدرسة الجالية العربية سابقا ، مدرسة الأمل حاليا ، المنزل الذي تم استئجاره كان يفتقد إلى أي شيء غير الجدران ، حيث كانت الاجتماعات والبروغات كلها تتم على ضوء الشموع ، فقد كانت الشمعة أهم وأغلى ما تملكه الفرقة آنذاك. في الأشهر الأولى من التأسيس كان

الهدف منصبا في كيفية تكوير الأغنية الإرترية ، ونقلها من الرتابة والعزوف الذي منيت به من قبل الجمهور خاصة الشباب ، الذي أصبح مولعا بسماع الأغنية الغربية التي كانت تقدمها إذاعة القاعدة العسكرية الأمريكية من أسمرا (قانيواستيشن) ، حيث كانت المحطة الوحيدة والوسيلة التي تغذي عقول الشاب ، ولا يمكن جذب الشباب إلى الموسيقى المحلية إذا لم يتمكن فرقة أسمرا الفنية من إدخال توليفة جديدة في الألحان والإيقاع الإرتري ، وبطريقة تلقائية وجدوا أنفسهم يركزون على إدخال إيقاعات غربية في الأغنية المحلية مع المحافظة على اللحن والكلمة الهادفة.

بعد صراع طويل بين القديم والجديد ، تمكنت فرقة أسمرا الفنية من إدخال إيقاعات جديدة ، حيث كانوا يتعمدون رفض أي فني يفتقد إلى لون جديد مع المحافظة على اللونية الخاصة بالفن الإرتري حتى في العمل الدرامي . الإيقاعات التي راجت في تلك الفترة كثيرة منها : (تويس ، تانجو ، قالسر ، روكي ، براك ، أندرول وغيرها) ، وإذا ما أمعنا الاستماع إلى ألحان الزمن الجميل ، خاصة أغنيات فرقة أسمرا الفنية وغيرها ، مثل فرقة (روكيت ، وفينوس ) ، نجد أن الإيقاعات الحديثة غلبت على معظمها ، وخير مثال الأعمال التي قدمها الأستاذ أسرس تسما لكل أعمال الفنانة الراحلة تبره تسفوهوني ، كما أن الفنان الكبير عثمان عبد الرحيم ، أمد الله في عمره ، يعتبر خريج هذه المدرسة ، ألحانه كلها نمت في هذا الطقس الفني الجميل ، وكذلك الفنان تولدي ردا ، والأستاذ الأمين عبد اللطيف ، الذي نقل أغنية التقريت من الإيقاع المألوف إلى إيقاعات جديدة منها أغنية ( ألما تحلفني تقبئ ، وأغنية سفلال ، وأغنية خاتم حزي زابيكو) وغيرها من الألحان الجميلة. الجميل أن الجيل الأخر من الفنانين الشباب تأثر بتلك المدرسة اللحنية ، فجاءت ألحانه كلها في هذا السياق ، منهم الفنانان الراحلان يماني قبري مكئيل باريا ، وتخلي تسافزقي ، وقرماي كداني فليبو ، وغيرهم ، تمكنوا من الفكاك عن الإيقاع والرتابة القديمة ، في نهاية المطاف نجحت فرقة اسمرا الفنية في مشروع إدخال لونيات جديدة على خارطة الغناء الإرتري بكل لغاته وأطيافه ، هذا فضلا عن الدور الوطني الكبير الذي لعبته في إذكاء الروح الوطنية.

اليوم في متابعة للمشهد الفني في بلادنا ، مع الأسف المشهد لا يسر أبدا ، بل أن الأغنية الإرترية تردت وتراجع الإبداع بمعناه الشامل كثيرا ، حتى وصلنا مرحلة إفساد الذائقة السمعية ، هل يعقل ذلك وأمامنا تجربة فرقة أسمرا الفنية بكل أبعادها الفنية والوطنية ، هلا أستفاد الفنانون من تجربتها وإنجازاتها ، ما أشبه الليلة بالبارحة.