09 / 01/ 2017م

أجرى الحوار : باسم القروي
 

.د. جلال الدين محمد صالح في حواره مع وكالة زاجل :
 ( الحلقة الأولى)
لا يلزم الوفاء ببيعة استحالت جماعتها إلى جماعات
أنا سلفي عقيدة، وإخواني فكراً وسياسة، وأعرف منهجية الاجتهاد الشرعي.
سلوك الإسلاميين المستفز نفرني عنهم تنظيمياً، وتواصلي مع غيرهم تواصل حوارٍ وانفتاحٍ
لم أرث القلم عن أسرتي، وأتوقع أن ترث قلمي ابنتي ابتهال - تخصص" جينات" >>>>>


البروف جلال الدين محمد صالح مع وكالة زاجل الأرترية للأبناء
( باسم القروي ، الحلقة الثانية)
 


9 - أنت تؤمن بحركة بناء وسلام، وتعايش سلمي، لا تغالب ديني .. فما الحل شرعاً إذا كانت الأطراف الأخرى أسوداً كاسرة لا ترضى بزيتونك شريكاً وإنما تريدك مطاوعاً ذليلاً مثلما يفعله النظام الحالي يا بروف، هل في الإسلام خيارات أخرى ترد كيد المعتدي؟
9 - المبدأ الأساس هو التعايش السلمي ، والسلم هو أصل العلاقة بين مكون الجماعة الوطنية وما يطرأ على أصل هذه العلاقة يتعامل معه بوصفه حالة شاذة تعالج بالذي يناسبها وفق مقتضيات الحال والمآل.

10 - يا بروف بالوضوح .. هل تجيز قرع الكلاب المسعورة بالعصى دفاعاً عن الحرمات ؟

10 - تكفي الإجابة السابقة ولكل ظرف أحكامه الشرعية التي تعالج النوازل.

12 - قال الأستاذ أبو محمد علي محمد محمود جوابا على سؤال وكالة زجل عن رابطة المنخفضات أواخر شهر أبريل عام
2014م : (في البدء أؤكد على حق كل شخص أو مجموعة في تبنى الفكرة أو المشروع الذي تراه مناسباً لتحقيق أهداف وطنية عامة أو شخصية ، فلا حجر على أفكار أو مبادرات أي أحد ، ومن حق الآخر قبول أو رفض تلك المبادرات والمشروعات...) . ولهذا رأت المقابلة سلبية في ميلاد حركة المنخفضات المناطقية باعتبار المآلات المتوقعة وضربت أمثلة من ا لماضي للاعتبار..
وأنت تغتنم فرصة المقابلة عن قصد دون أن يضطرك سؤال للتتهم طرفاً وتدافع عن رابطة المنخفضات .. لِمَ تَعيبُ على طرف سياسي حقه في تحليل ظواهر ماثلة وإبداء وجهة نظره وترميه بما لا يحتمل نص حديثه من احتكار الساحة لتنظيم واحد. ألم يعبْ نبي الله محمد صلى الله عليه وسلم على نبي مثله موقفاً دون أن ينتقص منه: (يَرْحَمُ اللَّهُ مُوسَى ، لَوَدِدْنَا لَوْ صَبَرَ حَتَّى يُقَصَّ عَلَيْنَا مِنْ أَمْرِهِمَا) خاصة أن المقابلة صرحت باحترامها خيار قيادة المنخفضات مع أنها طرحت بهدوء مقترح مراجعة فكرة المناطق لما فيها من محاذير تجزئة الوطن.


12 - ما وجهته من نقد إلى مقولة الأخ أبي محمد علي محمد محمود حفظه الله ورعاه، اقتضاه السؤال المطروح من قبلكم، ويأتي في سياق التحاور السياسي، وليس في معرض تبادل الاتهامات، ونعم أن الأخ أبا محمد أقر بأحقية تبني الأطروحات السياسية، في الساحة الإرترية، وهذا متوقع من شخصية في مثل نضجه السياسي، لكن إلحاق المواقف السياسية (بالاستعمار) هو الذي عبته على الأخ أبي محمد؛ لأنه يعني في نظري سحب الشرعية الوطنية، والأخ أبو محمد لا يمثل شخصه، وإنما يمثل تنظيماً يتصدره، فهي قبل أن تكون رؤيته الخاصة به، هي رؤية للتنظيم الذي يتصدره، وهذه في نظري مشكلة كبرى، حين تصنف كيانًا ما، على أنه يعتنق فكرة استعمارية؛ لأن هذا الحكم يحول بينك وبين فتح الحوار معه، ما لم يتنازل عن فكرته الاستعمارية، في معاييرك، وليس في معاييره، وهو ما يباعد الشقة بين الأطراف المتباينة، والتي هي في حاجة إلى التلاقي والتحاور، نصرة للمستضعفين كافة، أنا هنا لا أدافع عن جهة بعينها، وإنما أدافع عن فكرة هي باختصار ( عدم إصدار الأحكام مع الاحتفاظ بحق التخالف والتناقد ).

الذي أفهمه أن رابطة منخفضات إرتريا مؤسسة مدنية، تشعر أن المنخفضات أضحت محل استيطان عنصر آخر، في غياب أهلها وإقصائهم في معسكرات اللاجئين، وأنها في حاجة إلى تكتيل ناسها لحمايتها من هذا الاستيطان، بحجة أن الأرض ملك الدولة، وما أظن هذا له صلة بالاستعمار، ولا بدوائر مراكز الدراسات التي تعمل لإعادة طرح مشروع استعماري، وأما أنها قد تستغله فنعم، ولكن ليس هو ما يستغل فقط، فكل المشاريع يمكن استغلالها، ومع ذلك من حق كل واحد منا أن يكون له تحفظ على مشروع ما، أيا كان هذا المشروع، سواء في الفكرة نفسها، أو في القائمين عليها، أو في الوقت الذي طرحت فيه، أو في الصيغة والصورة التي قدمت بها.

13 - لاحظت أنك تتقمص شخصية د.حسن الترابي - رحمه الله - يظهر فيك بتصنع في لغته وحركاته و صوته وإشاراته التعبيرية ونبرات صوته وإثاراته الفكرية الشاغلة .. والقامة واللون والجسم وحتى الصلعة وخفة اللحية أمور تعزز من أوجه التشابه .. فهل انت مفتوح بالأموات ؟ أين شخصية البروف جلال الدين الخاصة ؟

13- ما كنت أظن أبدًا أن لي شبها بالشيخ الدكتور حسن عبد الله الترابي رحمه الله، لا شكلاً ولا تحريكاً، ولا ابتسامة، وما انتبهت لهذا إلا حين سمعت ذلك من الشيخ راشد الغنوشي حفظه الله، في أول لقاء قابلته فيه بـ( آخن ) في ألمانيا، مركز (بلال بن رباح رضي الله عنه) الذي من خلاله ينشط الأستاذ عصام العطار متعه الله بالصحة والعافية، وختم لنا وله بالصالحات أعمالنا، في ندوة نظمها اتحاد العمال المسلمين بأوربا، تحت عنوان ( أولويات العمل الإسلامي في أوروبا ) وكانت لي في هذه الندوة ورقة قدمتها، وبعد فراغي من إلقائها ومناقشة المداخلات الواردة بشأنها، سألني الشيخ راشد الغنوشي: ما صلتك بالدكتور حسن الترابي، هل بينكما صلة قرابة؟ فقلت له: كلا، فقال لي: فيك شبه به، شكلاً وحركة، وكلاماً. بعدها أصبحت أسمع هذا من كثيرين، في المؤتمرات الإسلامية التي حضرتها، وأنا لا أفعل ذلك تقصدًا، ولا تعمدًا، أو تقمصًا، ولكنها حركاتي الذاتية، تصدر مني عفوًا.

من الناحية الفكرية عندي الكثير الذي لا أوافق فيه الترابي رحمه الله، ومع ذلك لا أنفي أني قرأت عدداً من إنتاجه الفكري، واستمعت إلى الكثير من محاضراته، ولقاءاته السياسية، واستمتعت بها، وأعجبت بخاصية التجدد فيه، في الوسائل التي ينتهجها، وفي بعض الأفكار التي يطرحها، وكذلك أود أن أفعل، ما دامت هذه الأفكار ليست من قطعيات الدين، وإنما من ظنياته، وتأثري به لا يعني ذوبانًا فيه، وإنما هكذا الدنيا مؤثر ومتأثر، وما هذا بعيب في الإنسان، ما لم يكن إلى حد الفناء، وطمس الشخصية، ومع كل هذا لم أقابله إلا مرة واحدة بصحبة الشهيد أول خير مصطفى رحمه الله عام 1991م.

14- من عواصم العمل الجماعي من التمزق تاتي البيعة والعهود والمواثيق واللوائح التنظيمية الضابطة والأهداف الجامعة التي توجب الوفاء والسمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره حتى على الأثرة وأنتم علماء الشريعة والدين ومع ذلك ساقتكم الآراء والاجتهادات المتباينة إلى توزيع الأدلة فيما بينكم فكل الشظايا المعممة تزعم أنها أقرب إلى رضى الله من صاحبتها وتحشد من الأدلة ما يقنعها بعدم التلاقي مع أختها والشعب محتار .
كيف تقرأ هذه الصورة الشائنة للإسلاميين وأنت صاحب علم غزير، وعمر مديد، وتجارب ثرة ؟


14- أهم داء يفتك بالعمل الجماعي هو داء الانشطار والتشظي، والتدين في الفرد يبلى فيحتاج إلى التجدد، وكذلك هو في الحركات والجماعات الناشطة، يتقادم عليها الزمن، فيبلى فيها التدين، وساعتها تصاب بعلل التدين، من الشعور بالاصطفائية عند الله، كما كان الحال مع بني إسرائيل يوم قالوا: (نحن أبناء الله وأحباؤه) وزعموا ( أن الله اصطفاهم وفضلهم على العالمين ) و( أنه لا يدخل الجنة إلا من كان هودا) وهذا النوع من الشعور هو الذي يولد التعادي والتنافر، وهو نهج طائفي مقيت، ومن أهم سبل معالجاته التجدد في الوسائل من الآليات، وفي الظنيات من الأفكار، وفي العقليات مقارنة بالنقليات.

15 - كان مقبولاً أن يختلف العامة استجابة لمفاهيم قبلية أو إقليمية أو ربما انخداعاً ببريق نعمة قريبة أو خوف من بلاء نازل فهل تجد مبررات مقدرة تجعل العمائم تختلف وتتناطح ؟

15- لا أجد مبررًا للعمائم أن تختلف اختلاف تضاد، يشرق بينها ويغرب، ولكن لا تنسى أن العمائم إذا لم تتعهد ذاتها بالتجدد، تصاب كما قلت لك آنفا بداء التشظي، الاختلاف في حد ذاته ليس ممقوتا متى ما كان اختلاف تنوع، ومع اختلاف التنوع يكون التوالي، في حين غالباً ما يستصحب التعادي اختلافُ التضاد.

16 - يا استاذ جلال أنت علم وعالم تمثل الوجه الإسلامي علماً وشكلاً وحقيقة نعتز بك لكنا نراك تصاحب أكثر الوجوه بعدًا عن الشريعة والدعوة تصاحب العلمانيين أكثر من مصاحبتك الإسلاميين..حتى أيام المدينة المنورة كنت ترى تتشبث بأضيق دائرة وأنآها عن الجماعة الطلابية الإسلامية بتكويناتها .. أما كان الأجدر بك أن تكون قائداً رائدًا بين الإسلاميين طائعاً أو مطاعًا وأميرًا ومأمورًا ؟

16- أنا من طبعي انفتاحي، أقترب إلى كل من يود الاقتراب مني، وتحاوري، أحب أن أتحاور مع كل من يختلف معي، وأنا إسلامي في وجهتي السياسية، وخياراتي الفكرية، وكثيرًا ما أحب أن أقترب ممن يشاركني الانتماء إلى هذه المدرسة، وما ذكرته عني في المدينة من نأي عن (الجماعات الطلابية الإسلامية ) ما كان إلا لأن هذه الجماعات كانت تتعامل بمنهجية الاصطفاء، توالي الموالين لكيانها، وتقصي لمن كانت تظن فيهم المخالفة الفكرية، أو تلمس منهم انعدام المطاوعة والمسايرة، وكل كيان منها كان يجند من الساحة الطلابية من يراه أقرب إليه فكراً، وأسرع إليه التزاماً، ومن هذا الباب كان أفراد من أنصار السنة، يشيعون عني أني من (الأخوان المسلمون ) حتى يعزلونني عن الاتجاه السلفي، مع أن كثيرًا منهم يعرفونني، ويعرفون سلفيتي، كما يعرفون أبناءهم، ولكن أن فريقًا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون؛ يفعلون ذلك لمجرد أني كنت أنقد نمطهم التقليدي في العمل؛ ولمجرد أني كنت منفتحاً على تراث الأخوان المسلمين، واليوم هم في أنفسهم لم يعودوا أمة واحدة، كل فئة تنزع ثوب السلفية عن الأخرى، فمنهم الجاميون، ومنهم غير ذلك، غشيهم علل التدين كغيرهم، فجعل منهم طرائق قددًا، وربك أعلم بمن اهتدى، ولا نزكي على الله أحداً، وكان (الأخوان المسلمون) لا يحيونني بأحسن مما كنت أحييهم به، قليلاً ما كانوا يجالسونني، حتى في طاولة مطعم الجامعة ساعة الغداء أو العشاء، يتجاهلونني إلى مائدة أخرى، الأخوان فيها كثر، وكأن الأخوة في الله لا تعني إلا من كان مبايعاً، وكأن الآخرين شاقوا سبيل المؤمنين، وصدوا عنه صدودًا، مفاهيم وممارسات جد غريبة، تعكس حالة ضيق الأفق التي كانت عليها هذه الكيانات التي سألتني عنها في الساحة الطلابية، كل ينحاز إلى فريقه، وكنت أنحاز إلى الكرنيين الذين آثروا خيار (عدم الانحياز) على أحد المعسكرين المتنافسين، معسكر الأخوان المسلمون، ومعسكر أنصار السنة، فأجد فيهم ترويحاً بنكتهم اللطيفة والبريئة التي كانت تصلني بكرن، وفكاً لهذا النوع من الحصار الاجتماعي الذي كان يمارس تحت عنوان التربية بالمقاطعة، فقهاً معوجاً لفعل النبي صلى الله عليه وسلم مع الثلاثة الذين تخلفوا، وهو في الحقيقة ليس تربية، وإنما ضغطًا، وقهراً، وإكراهاً، وإقصاءً، وكان الأخوان إذا ما التقوا بي قالوا لي غير الحقيقة التي كنت أعرفها عنهم، وعن الساحة الطلابية واختلافاتها الحقيقية، وهذا ما كان يستفزني، ويشعرني بأنهم يحاولون التذاكي علي، واستغبائي؛ لهذا كنت أجد نفورًا في نفسي من هذه الكيانات، دون أن أجد نفورًا من الفكر الإسلامي، بمدارسه المتنوعة، فما زلت حتى هذه اللحظة أعتز بانتمائي إلى الفكر الإسلامي، أرتشف من رحيق هذا وذاك، على بصيرة، فأزمتي مع هذه الكيانات كانت أزمة ثقة، ليس إلا، لا أزمة فكر، وتقاربي مع من يخالفني الوجهة من بعض أفراد التيارات غير الإسلامية، هو نوع من الانفتاح على الآخر، دون التخلي عن خصائص الذات ومبادئها.

17 - هل تتوقع أن تنجح المساعي التي تجتهد لتوحيد الإسلاميين الإرتريين وما عوامل نجاحها أو فشلها في رأيك؟

17- التصالح هو تفاعل بين أكثر من طرف، كما هو مقتضى وزنه ( تفاعل ) ولا يمكن لهذا التفاعل أن يكون حقيقة واقعية، ما لم يكن أولا إرادة صادقة، ونية مخلصة؛ لهذا قال المولى عز وجل في شأن الزوجين المختلفين (فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما ) الضمير في قوله إن (إن يريدا ) أعاده بعض المفسرين إلى الحكمين، وبعضهم إلى الزوجين، وأيا كان الأمر، فإن الإصلاح بين الزوجين سيتحقق بتوفيق من الله، إذا أراد الحكمان أو الزوجان الإصلاح، بهذا لا أستبعد أن تستعيد الحركة الإسلامية الإرترية عافيتها، فتتوحد من جديد، إذا أرادت ذلك إخلاصا لا مزايدة أو مكايدة، وإذا ما تخلصت من مناحاة كربلاء، وثارات الحسين، فما زال بعض من الإسلاميين يعيش مرارة الماضي، كلما خطوا خطوة إلى الأمام، أعادهم الماضي إلى ما مضى، يندبون حظهم فيه، وينوحون، وكأن عجلة التاريخ قد توقفت، وكأن الحسنات لا تذهب السيئات، وكأن أن لا تغافر، ولا تسامح، وإنما خصومة دائمة، تمتد عبر التاريخ، جميل أن تتعظ بالتاريخ، ولكن كم هو قبيح أن تكون أسير سلبيات التاريخ، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى ليس بالضرورة أن تكون هذه الوحدة اندماجية، وإنما تحالفية، على مشروع سياسي واضح المعالم، يفصل فيه العمل الدعوي عن العمل السياسي، فالإسلاميون حتى هذه اللحظة في حدود معرفتي خطابهم تقليدي، يطرحون العموميات، الديمقراطية فقط في المطالب السياسية، اللغة العربية والتجرنية فقط، في المطالب الثقافية، الثنائية فقط، مسلمون، مسيحيون، في حل إشكالية السلطة والثروة، في حين المسألة أعقد بكثير، وأبعاد الصراع أعمق بكثير، إنهم يعيشون فترة الأربعينيات، وخطابها السياسي، أدعوهم إلى التجدد في الطرح، والتوكل في اقتحام عقبته والمدافعة عنه، ثم المدافعة به، والانتقال من الطرح التقليدي الموروث إلى الطرح التجديدي المواكب.

18 - هل من تعليق على مقابلة الأستاذ أحمد القيسي مع وكالة زاجل الأرترية التي اعترفت أن القناعات الفكرية والتصورات الأيديولوجية ، هي خرافة دفعوا فيها أكثر مما ينبغي وأن أسياس أفورقي كان صنماً صنعه رفاقه ؟

18- المناضل القيسي هو أحد القيادات الماركسية، في قوات التحرير الشعبية، التي أسهمت في صناعة هذا الصنم بقوة، وقد أقر هو بذلك حين قال: (صنعنا صنما) وفي الحقيقة، ومن غير اتهام للمناضل القيسي بعينه، ولا لغيره من الرفاق الأوائل، هم لم يصنعوا صنماً فحسب، وإنما صنعوا معه أيضا إرهاباً؛ من خلال السياسات التي اختطها منظرو التنظيم، ومؤسسو حزبه السري ( حزب الشعب ) من طلائع الشيوعيين، في علاقتهم مع الآخر المخالف لهم فكرياً، وسياسياً، وتنظيمياً، وجسدوها عملياً في جملة من الاغتيالات، والاختطافات، والاعتقالات، والتصفيات، داخل التنظيم وخارجه، إلى درجة التحالف مع الوياني؛ لتصفية جبهة تحرير إرتريا، التي هي الأخرى كان يقودها حزب شيوعي سري، عرف بـ(حزب العمل) ومارس هو الآخر قدرًا من الإرهاب ضد مخالفيه، فاعتقل، وعذب، وتآمر بعض منه على الجبهة نفسها بالتنسيق مع حزب الشعب في الجبهة الشعبية، حسب شهادة بعض قيادييه في مذكراتهم، وهؤلاء الشيوعيون في جلهم وغالب منهم، كانوا بلا شك وما زالوا وطنيين مخلصين للفكرة الوطنية، ومناضلين ضد القوى الاستعمارية بشراسة وعناد، غير أنهم اسْتُغِلُوا ووظفوا في خدمة مشروع شيفوني بغيض، على غير وعي منهم، وبقدر كبير من السذاجة، ألقى بهم المشروع في نهاية المطاف في السجون والمعتقلات، دونما رحمة، عندما اعترضوا عليه وقالوا له: ( لا ) وأجرى عليهم قانون التصفيات نفسه، وسياسات الإرهاب نفسها التي مارسوها هم من خلال حزبهم السري من قبل، ضد مخالفيهم، مؤصلين لها ومباركين، ومهما تفاوتوا في درجات السذاجة بحالة الاستغلال التي وقعت عليهم، فإنهم في النهاية كانوا جميعهم ضحية سذاجتهم هذه، وليس جماعة منهم فحسب، أو فرد، فنكبوا أنفسهم، ونكبوا معهم الشعب الإرتري، وفي حين يقر بعضهم أنهم استغلوا فعلاً ووظفوا في خدمة مشروع آخر، سذاجة منهم، وهذا ما قاله لي أحد كوادرهم العليا الذي أفنى عمره في خدمة التنظيم، يوم التقيته في بلد عربي، يكابر بعضهم، ويأبى أن يقر بهذه السذاجة، وأيا كان فالخاتمة بالنسبة لهم وللشعب الإرتري قاطبة كانت سيئة ومريرة، وكم يكون جميلاً وحسناً وخدمة كبيرة للشعب الإرتري، لو أن بقايا هؤلاء الشيوعيين عكفوا على كتابة تجربتهم هذه، وقدموها إلى الشعب الإرتري برؤية نقدية، لا بنفس تمجيدي، إطرائي، كما فعل بادوري في كتابه ( إرتريا رحلة في الذاكرة) ومن قبله الأمين محمد سعيد، في كتابه ( الثورة الإرترية الدفع والتردي ) حتى تكون عبرة للمعتبرين، ففي قصصهم والمآل الذي انتهى بهم فعلاً عبرة لأولي الألباب، من الأجيال القادمة، حتى لا تكون ضحية مشاريع مشابهة، تركب ظهور الساذجين، من الوطنيين المخلصين، فكونك وطنياً مخلصاً لا يعني بالضرورة أنك فطن في كل الأحوال، لا تنطلي عليك الألاعيب، وأنك على أمان من تمرير المشاريع الضارة، أو الأجندات المهلكة، كما يسميها المناضل القيسي حين وصف أجندة الرئيس بالمهلكة.

19 - غيركم فشل في حل المشكل الإرتري يا أهل الدين فهل من مساعي جادة لتلاقي العلماء المسلمين والقساوسة المسيحيين لبذل جهد مشترك لصالح الوحدة الوطنية؟ علما أن الإسلام أمر معتنقيه بمثل هذا التعاون على المعروف ؟

19- اسمح لي أن أقول لك: إن الصراع الإرتري الإرتري ليس صراعًا دينياً، حتى يحتاج إلى علماء وقساوسة، وإنما هو صراع سياسي، والدين فيه عامل تأجيجي، والدين كغيره من المُثُل العليا يستغل ويوظف لمآرب أخرى، والساسة من هذا الطرف أو ذاك، يمكن أن يجعلوا من الدين مطية لهم إلى مصالحهم الخاصة، فيوهم نفر منهم المسيحيين بأن المسلمين يكيدون لهم كيدًا، وآخرون يوهمون المسلمين أن المسيحيين يمكرون بهم مكرًا كُبَّارًا، في حين الأمر ليس كذلك، وإنما هؤلاء ينفخون في كير هؤلاء، وهؤلاء ينفخون في كير هؤلاء، ومع ذلك من المهم أن تتصاعد وتيرة الحوار الثقافي والديني بين المسلمين والمسيحيين، في سبيل التعايش معاً بسلام، وأن يحل الصراع السياسي بتوزيع السلطة والثروة، بين كل المكون الإرتري، على أساس من العدالة الحقيقية لا الشكلية، الصراع ليس ثنائياً بين المسلمين والمسيحيين، وإنما في كل منهم صراع داخلي، ومداره السلطة والثروة، وليس الدين بالدرجة الأولى والأساسية.

20 - الحوار أسلوب حضاري لمعالجة القضايا المجتمعية هل من تقييم لواقع الحوار في الساحة الأرترية وإلى أي حد يعطي الإسلاميون أولوية للحوار مع مخالفيهم ..توضيح لمبدأ الحوار بين النظرية والتطبيق لدى الإسلاميين الأرتريين ؟

20- يظهر لي أن الحوار يشغل حيزاً كبيراً من اهتمامات الإسلاميين؛ ومن هنا نجدهم يمثلون ركنًا أساسياً في الحراك السياسي الجاري في الساحة الإرترية، ولكن من المهم أن يبعث الإسلاميون الحوار بينهم أولاً من مرقده، حتى يذهبوا حالة التجافي بينهم والتنافي، فتلاقيهم وتآلفهم جزء مهم من بناء حالة الاستقرار السياسي، في المجتمع الإرتري، ورفع الاستضعاف عن المستضعفين، مسلمهم، ومسيحيهم، ووثنيهم، من كل الجماعات الإرترية، في التربة الإرترية.

21 - من سيرة الشعب الأرتري أنه شجاع ضد إثيوبيا لكنه جبان ضد نظام الجبهة الشعبية منكس الرأي يبحث عن الهروب فقط ليهلك ولا يفكر في الدفاع عن نفسه عرضاً وأرضاً وحرمات ..غيب خيرة أنبائه علماً وخلقاً ولم يتحرك
كيف تفسر هذا الوضع الذليل الذي عليه الشعب الأرتري ؟


21- الشعوب تصاب بالإحباط كما الأفراد يصابون، والشعوب تعطي وتضحي، ولكن إلى حد معلوم، والشعب الإرتري أعطى وضحى؛ لأنه كان ينتظر الأخذ والمكافأة، ولكن فوجئ بنقيض ما كان ينتظره، وأصبح بين مطرقة حكومة أفورقي الذي انقلب على الجبهة الشعبية نفسها، وسندان المعارضة التي عجزت عن إثبات ذاتها بقوة، فآثر الفرار قائلا: (انج سعد فقد هلك سعيد) إذ لا يرى أملا في المعارضة لضعفها وانقساماتها، ولا يرى في حكومة أفورقي ليونة لعنجهيتها وكبريائها، فماله من سبيل إلا الفرار، ليس جبنا ولكن لعدم الثقة في من يحكم، وفي من يعارض.

22 - السلاح فشل في حل إشكالات الثورة الأرترية عبر تاريخها والحوارات خابت مساعيها ..أين المخرج هل ترى ضوءاً في الأفق ؟

22 – نعم أرى ضوءًا في الأفق، وشروقاً للحرية بعد غروبها، فما من ضائقة إلا ويعقبها انفراج، تلك سنة الله في الذين خلوا من قبل، ولن تجد لسنة الله تبديلا.
التغيير لا محالة آت، والدكتاتور مهما انتفش فإنه لاشك زائل، ولكن السؤال: ماذا أعددنا لما بعد زوال الدكتاتور وسقوطه؟ تعلم ـــ أخي الدكتور باسم ـــ ذلك الرجل الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم: متى الساعة؟ فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: ماذا أعددت لها؟.
ما مشروعنا السياسي الذي أعددناه لما بعد سقوط النظام الشيفوني؟ ما رؤيتنا لحل إشكالية السلطة والثروة؟ هل كل ما نريده هو فقط هامش من الديمقراطية تعطى لنا، والثنائية في اللغة ( العربية والتجرنية ) ينص عليهما الدستور وكفى، ثم الحشاش يملآ شبكته؟ ما السبيل إلى ملأ الفراغ؟ كيف ننفتح على شعبنا كله ونقوده إلى حياة آمنة ومستقرة، ونجنبه الانهيارات الأمنية التي تتخطف الناس من حولنا؟

هذا هو أكبر تحد يواجهنا، وليس سقوط النظام وزواله، فذلك أمر مفروغ منه، ومن المهم ذكره هنا أن في الجيش الشعبي أحرارًا يسوؤهم ما آل إليه نضالهم، وفيهم عقلاء لابد أن ينهضوا بواجبهم الوطني نحو إسعاد المواطن، واستقرار الوطن، ويعملوا مع العاملين في مشروع التغيير والبناء.

23 – أنت ترأس مجلس شورى رابطة علماء أرتريا فهل من تعريف موجز بهذه الرابطة وما المسافة التي تفصل بينها وبين هيئة علماء ارتريا ؟ وبينها وبين العمل السياسي ؟

23- رابطة علماء إرترية هيئة شرعية تعنى بشؤون الدعوة والدعاة، وليست كيانًا سياسياً، تسعى إلى أن تكون مؤسسة جامعة لكل الكيانات الدعوية في المجتمع الإرتري، في سبيل خدمة الدعوة والداعية، والطالب والطالبة، في مختلف التخصصات، ومع ذلك قد تكون هناك هيئات علمائية، لم تسمع بها الرابطة، وهي ما زالت قائمة، وأخرى تعلم بها، من نحو (هيئة علماء مسلمي إرتريا) التي لم تحل ذاتها، على الرغم من أن لعضويتها العضوية الكاملة في الرابطة، وهم مشاركون في تأسيسها، وعدم المسارعة إلى الحل ربما آتٍ من الخوف عن المآلات الضارة، اعتبارًا بما سلف، وأحسب أنها مرحلة تأنٍ وتفكرٍ، وظني أنهم متى ما اطمأنت نفوسهم، وانقشعت مخاوفهم من المآلات، وغلب عليهم الظن الراجح بقوة الرابطة واستمراريتها، سارعوا إلى كلمة سواء تجمع الشتات، وإلى التوحيد قولاً وفعلاً، توحيداً للخالق، وتوحيداً للموحدين جميعا.

24 - المساحة الختامية لك ماذا تقول الشيخ جلال الدين محمد صالح؟

24- في ختام هذا اللقاء أشكر الأخوة في وكالة زاجل للأنباء وأتمنى لهم مزيدا من النجاح الإعلامي، سائلا المولى لي ولهم التوفيق والسداد.