03 / 11/ 2016م
أجرى المقابلة أ. باسم القروي

في حوار مع وكالة زاجل الأرترية  للأنباء الخبير الإعلامي والشاعر أحمد شريف:
الناطقون بالتجرنية موضوعيون في نقاشاتهم مقارنة بالناطقين بالعربية
( الجزء رقم 1 من المقابلة)>>>>

 


الجزء الأخير من حوار وكالة زاجل مع الخبير الإعلامي الشاعر أحمد شريف:

الجزء رقم 2


أهذه أسمرا كنا نبادلها ** عشقا بعشقٍ هما من حبها نصبا
كانتْ وكنا زمانا نحتسي قمرا ** واليومَ فارقتِ الأفراحَ والطربا
مالي أراها وقد عادتْ مقرحةً ** كأنَّها لم تر نجما ولا شهبا

النظام يطبق منهج ( نحن وأهدافنا ) حرفياً والمسيحيون وجدوا ضالتهم في أهوائه

لا وجود لمعارضة عربية إسلامية أرترية وإنما توجد قوى تقف في خندق " قالوا وقلنا "

الناطقون بالتجرنية موضوعيون في نقاشاتهم مقارنة بالناطقين بالعربية

كان كثيرون غير مستبشرين بسيطرة الجبهة الشعبية على البلاد فأحجموا عن العودة معارضين وأحمد شريف – مثل آخرين - سجل حضورُا فاعلاً في العاصمة الخضراء الغائمة دوماً أسمرا عروس البلاد وأمضى سبعة عشر عاماً يتقلب بين مراقيَ وظيفية ومنازل ثقافية واجتماعية وسياسية .. قبل أن تحمله قدماه إلى استراليا مهاجراً ف(هل أنا أمام "الجبهة الشعبية" ولاء ومشاعر ودعما ، مثل كثيرين هربوا من النظام ، وأخذوا يلتقون معه بخيوط راقصة ، ونوافذ ومنافع وهوى؟) كان ذلك واحداً من ثمانية عشر سؤالا فرشتها أمامه فأجاب بثقة وخبرة وصبر وحدة ولغة رصينة .

هممت أن أكتب مقدمة مادحة بالقدر الذي عرفت عنه فرأيته يفضل أن يوصف بأنه ( الخبير الإعلامي الشاعر الأديب )- ولو شئت لزدته أوصافاً وأنا صادق - لاحتفائه بالشعر لتمكنه فيه، ولاحتفائه بالإعلام لتخصصه فيه ؛ نظرياً وعملياً. المقابلة أظهرت أن شريف قضى سبعة عشر عاماً بعد التحرير يرى أنه أمضاها مع الوطن لا مع النظام وينكر أنه خدم البلاط لكنه لبى واجب الوطن حين أحجم كثيرون وفي الوطن تنقل من غصن إلى غصن في تفاصيل طموحة ذهبت به إلى التدريس والفن والغناء والإعلام والبرلمان والشعر والأب والثقافة وفي كل هذا قال : أنا حاضر ومبدع.

طلبت منه المقابلة فقبل مسروراً وطلب التعارف فتبادلنا أطراف الحديث صوتاً وخطاً وفرضت عليَ التواضعَ خبرتُه وفصاحتُه وحرقتُه تجاه ظالميه وحرصُه لصالح وطنه الحبيب . وبدأت إجابة شريف بالضحك على سؤال الاستهلال كما انتهت بالضحك نفسه على سؤال الخاتمة فحسبت ربما أن الاسئلة في رأيه أقل من قدره ولهذا وجدته يقارن بين الناطقين بالتجرنية والعربية ليصف الأولين بالموضوعية في طرحهم للأراء ونقاشهم للأفكار بخلاف الآخرين بينهم صاحب الأسئلة ومضينا صَابِرَيْنِ تمخر بنا سفينة الحوار بين الأدب والسياسة والإعلام وكلها تلتقي في خيوط الوطن الحلم

نظرت زاجل إلى المقابلة بأهمية خاصة فأرتينا ان تنشر كاملة دون قص ولا تلخيص وعالجنا طول الإجابة بتقسيمها إلى حلقتين تنشران تباعاً وتستهل الحلقة الثانية الأخيرة بجواب على السؤال العاشر

س 10 :

كثُرتْ المُنغصاتُ في حياتنا ، فهل من بُشرياتٍ شعرية وأدبية قادمة ، في حرفكم أياها الشاعر؟

ج : بما أن المُتَمنَّى هو في الشعر والأدب ، فكل يوم يمر بميعادٍ جديد مع الشاعر. وحري بنا في زمان رويبضي قاتل ، أن نَعِدَ الناسَ خيرًا فيما نستطيع ، ولئلا ينزل علينا قولُ شاعر العربية:

(كَّلما أنبتَ الزمانُ قناةً ** ركَّب المرءُ في القناةِ سِنانا) (أبو المحسد). فقد تعود أخوك نشر بعض من رحيق الشعر والأدب على حسابه في التواصل الأجتماعي ، إلا أنني غير قنوع بهكذا وسيلة للبوح ، يجتمع فيها الصانع بالصائع والضائع بالجائع ، ويأكل من موائدها القانع والمعتر ، لذا أعِد وعدَ حُرّ وٍ دينٌ عليَّ ، أن أكحِّل وجه القراء المهتمين بكتابٍ في الشعر والأدب ، يضم كل تنهداتي الشعرية ، وكتاباتي الأدبية ، ولنْ أبوح الآن بعنوان الكتاب ، أو موعدِ الطَّلَقِ ؛ لأنَّ المُعلن في حينه ، هو الأبْهى.

س 11:

هنا موقع ، هذه صفحة ، هذا حساب ، تلك قناة في اليوتيوب أو الفضاء ، ذلك كم من المجموعات في برامج التواصل الاجتماعي (الفيس والواتس) ، وإذاعة من الخارج موجهة إلى الداخل والتزاحم يتافس في العجز ، ليس فيه الآن ما يهز عرش الخصوم ؟ ما رأيكم في الإعلام المعارض؟

ج : كثرة المعلومات لا تصنع معرفة. وإذا أمنعنا النظر في هذا الرأي ، وأنزلناه على واقعنا الإرتري (إعلاميا) ، بالفعل نجد أننا لا نملك معرفة صحيحة لما يجري في الداخل وما يموج به الخارج. بدليل أن الناس يندهشون عندما يدلي هنا أو هناك بعضٌ عن معلومات ، جلها غير مؤتمن ، وكثير منها ملفق غير صحيح ؛ لأن المتلقي في الواقع لا يملك المعرفة الصحيحة عن الأوضاع ، فيتلقف ما يُلقى عليه لذا أؤكد أن كثرة تلك المعلومات ، لم تصنع معرفة بالأوضاع السائدة في الاتجاه ، والإتجاه المعاكس.

شخصيا أسمِّي الإعلام الرسمي ، بـ"إعلام الداخل" ، والإعلام المعاض بـ"إعلام الخارج" ؛ لأن كل منهما يفتقد إلى مقومات أساسية لما يُسمَّى بإعلام رسمي أو إعلام معارض. وقد أشرتُ في إجابة سابقة إلى بعض أزمات "إعلام الداخل" ، الذي أنتقلتْ عدواه إلى "إعلام الخارج". الإعلام المُؤسس بمنهجية علمية فكرية ، والقائم على خطط وسياسات عامة ، وموجهات حديثه ، تفرضها التغيرات الطارئة في صيرورة الحياة ، مثل هكذا الإعلام بلا شك ، يحدث تغييرًا في سلوك المجتمع سياسياً واجتماعياً وثقافياً واقتصادياً ، والعكس صحيح. والأمثلة حية حتى في منطقة الشرق الأوسط تحديدًا ، ومدى تأثير الفكر الإعلامي ، على منظومة الحراك السياسي والاجتماعي ، فالشرق الأوسط القديم في معظمه ، غير موجود على أرض الواقع ، قبلنا التسمية أم رفضناها.

كذلك القوى التي تُسمِّي نفسها بـ "قوى معارضة للنظام" ، ليس لها مؤسسات إعلامية فاعلة ، تحلل الواقع الإرتري تحليلا عميقا ، وتنطلق من واقعية موضوعية ، ثم تعالج القضايا معالجات وطنية صرفة. مثل هذا الشكل الإعلامي المؤسس مفقود تماما ، ومن يدَّعي غير ذلك ، في تقديري المتواضع هو ، خارج الصحوة الإعلامية الحديثة. نعم هناك اجتهادات وتحركات لبعض المواقع و الإذاعات الموجهة ، تنشط في تحريك العواطف ، أو متابعة المواقف هنا أو هناك ، جهدها مقدر بلا شك تُحمد في مسعاها ، ولا يُجحدُ عطاؤها ، لكنها لا تمارس إعلاماً معارضاً بالمعنى الصحيح ، هذا منطق علمي بحتْ لا يعرف المجاملة.

أمام هذا الواقع ، فإن طرح السؤال من هز عرش الخصوم؟ هذا بحد ذاته انعكاس لعدم معرفة الواقع الداخلي والخارجي بشكله الصحيح ، وانعكس بدوره على الإعلام الإرتري داخليا و خارجيا. ومن هنا أتحفظ على عبارة "عرش الخصوم" ، إذ لا يوجد في واقع الخصم عرشا يُهد أو حكما يتم الانقلاب عليه!! هناك شخوص أختطفتْ الدولةَ والشعبَ والتاريخَ . وبالتالي لو كان لدينا إعلام مؤسس "إعلام الخارج" تحديدا ، لما استطاعت "المجموعةُ" التي أنتزعتْ كلَّ شيء ، أن تبقى على قيد الحاية يوماً واحدًا ، وحتى العروش يمكن أن يأخذها الوعيُ الجمعيُّ المُؤسسُ وطنيًا ، أخذَ عزيز مقتدر. والواقع المعاش يعزز ما أشير إليه.

س 12:

تقول المعارضة العربية والإسلامية ، إن النظامَ يهمش اللغةَ العربيةُ ! ما تقييمكَ لموقف النظام من اللغة العربية؟

ج : لأول مرة أقف على تسمية "المعارضة العربية والإسلامية" في إرتريا!! فإذا كانتْ التسمية نابعة عن اجتهاد شخصي ، وتحليل صحفي صرف ، هذا شيء آخر. شخصيا لا أزعم بوجود معارضة عربية إسلامية في الشأن الإرتري ، على الأقل في هذه المرحلة. واستبعدها كذلك في السنوات القادمة ، إلا إذا حصلتْ تغيرات دراماتيكية في الوضع الإرتري العام.

نعم هناك قوى تعارض النظام في طريقة حكمه للبلاد ، لكنها تستخدم فقط اللغة العربية في مخاصماتها أو مبارزتها ، وتقف في خندق "قالوا و قلنا"! وهذه مشكلة بحد ذاتها ؛ لأن المجموعة التي اختطفت الحقوقَ المعروفة من الوطنية بالضرورة ، لا تؤمن أصلا بكل شيء. لا بشرعية الاستحقاقات الوطنية الرئيسية ، ولا يوجد في مفهومها الوطني ، مشروعية استخدام اللغة العربية في الواقع الإرتري تفعيلا لحركة الحياة. وكل الحقائق التاريخية والواقع الماثل ، تؤكد موقف (نحن وأهدافنا) من اللغة العربية. بذات المستوى ، هناك قوى منطلقها ، المرتكزات الإسلامية في مشروعية حاكمية الإسلام ودولته ، ولكنها وفقا لفهمي المتواضع في هذا الشأن تحديدا ، تلك أفكار لا تزال حبيسةً في مقررات ولوائح نظامها الداخلي ، ترتفع حدتها وتنخفض ، وفقا لظروف منظريها ، سلبا أو إيجابا ، وحدةً وتفككا ، بخلاف وجود سواد كبير من المسلمين الإرتريين ، يقولون في أنفسهم الكثير تجاه حقوقهم ، ويجادلون بمشروعية الاستحقاقات الوطنية ، وسطية كانت أو متطرفة ، ولكن تأتي شعارات مرفوعة ، بعضها بارزٌ وقويٌّ خطابيا ، وبعضها خافت إلا قليلا من حياء ، فتخمد جذوةُ تلك المطالب ، وتعود إلى ذاتها تردد قوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ).صدق الله العظيم.

فيما يخص موقف النظام من اللغة العربية ، ما المسؤول عنها بأعلمَ مِن السائل! أحيل القارئ الكريم إلى المسودة الأولى من مذكرة (نحن وأهدافنا)! فهم ، والجبهة الشعبية ، والنظام ، والمجموعة أخيرا ، يطبِّقون حرفيا نصوص ما كُتب في مذكرات شخصية في مطلع سبعينيات القرن الماضي ، يطبقه الجميع ، كأنه قرآن منزل ، أو إنجيل مرسل ، ولن ولم يحيدوا عنه قيد أنملة ، رغم التصدعات والزلازل التي عصفتْ ببعضهم ، والواقع خير شاهد.

ذات مرة وأنا بالقاهرة ، تابعتُ برنامجا في الفضائية الإرترية في قسمها العربي ، زميل عزيز من الأقسام الأخرى ، يقرأ باللغة العربية [Narration] ، اختلط على الزميل حابلُ اللغة العربية بنابلها ، لاكَ وعجنَ قعدَ وقام إلى آخره ، سرحتُ هائما متعجبا ، غارقا في ذكرياتي عن الأقسام العربية بوزارة الإعلام (إذاعة وصحافة وتلفزيون). فوجدتُ نفسي أكتب موضوعا تحت عنوان (كانوا هناك فأين هم الآن؟) ، كتبتُ مقدمة للموضوع ، وسردتُ أسماء زملائي في الأقسام الثلاثة آنفة الذكر ، في لحظات ، رصدتُ أكثر من 88 صحفيا من الأعراب والمستعربين ، كلهم الآن خارج الفعل العربي (لغة) في الوزارة ، لأسباب مختلفة منها الاستشهاد ، الهجرة ، السجن ، تغيير موقع العمل ، التغييب ....الخ!!! ثم هبتْ عليَّ مداخلات الزملاء في المنافي ، وتعليقاتهم وتذكيري بأسماء زملاء ، وكلما ذُكر اسم زميل أو زميلة أدرجتُه في القائمة ، حتى فاق عدد الذين كانوا هناك 150. فهل كانت هذه العملية ومحصلتها صدفة ؟ إنها فعل مخطط مدروس ، وبرنامج مقصود مِن (نحن وأهدافنا) ، وهناك أيادي أخرى خفية ، من خارج الدائرة ، تعمل عمل الفرعون نفسه ، أدخرها إلى حين ميسرة.

س 13:

استمعتُ لكَ قصيدةً عن "الجزائر" ولك شعر عابر إلى الخارج في موقفٍ جميل ، فهل من قصائد تعاطفتْ مع مأساة المعتقلين السياسين والإسلامين الإرتريين؟

ج : نحن معشر الشعراء لا نؤمن بالحدود السياسية المفروضة علينا ، مع خصوصية تلاشينا في الخاص الخاص. عالمنا هو الكون الفسيح. وقد أراحنا الفيلسوف المفكر والشاعر الكاتب/ عباس محمود العقاد في قوله ، (خذوا دنياكم هذه – فدنياواتنا كثر). فالعبور إلى الخارج ليس بجديد على أخيك. ويسرني أن أرشح في هذه المقابلة ، مقاطعَ من قصائدي : ( تمر الدواهي على ربعنا – فلم نستمع غير ذاك الخطاب – وألف صباح على عربنا – كجلمود ليلٍ كثيف الضباب – "قُليْبِي" فلا قلب فيك ولا – رجاء فأنت ربيب العذاب) هذا مفتتح قصيدة كتبتُها في فترة (الشاذلي القليبي) الأمين العام السابق لجامعة العربية. مقطع آخر : (سلام الحب أكتبه نديا – وأرسله على جمر اشتياقِي – إلى آل الحسين ذوي النشاما – وأسد العرب بل سيف العراقِ – مهيبٌ قد تحدى كلَّ هولٍ – وسطَّر مجدَه كلُّ الرفاقِ – رهيبٌ يتقيه البؤسُ خوفا – شديد البطش شدَّاد الوثاقِ – إذا ضاع العراقُ فلا وجودٌ – لشعب العُربِ من بعد العراقِ). وآخر من قصيدة كتبتُها أيام المؤامرة الدولية على العراق ، والانكسارات العربية الإسلامية :

( أضرب فقد داويتَ جرج زماننا ** طب العروبة أن يكد جدارُ

ويلطَّخ الخامُ في ** أرض المعاد ويهزم الفجارُ

عرب الزمان حجيجهم بـ"ادنبرا" ** إذ ما غدا للكعبة الأخيارُ

طاف الرعاعُ و"بوشُهم قدامهم ** بالوايت هاوس والدولار إزارُ

فتبدلت أفعالُهم غربيًة ** وتشابه الدولارُ والدينارُ.

ومقطعا آخر: (يـا معهـــدَ الأبـــحاثِ والمـــهجِ الــتي ** روَّت نـــفوسـًا فأضــمَحَلَّ ظـــلامَه

بالـمعهـدِ الــعربي فــي " أم الـدُّنـا "** قلـــبِ الــعروبةِ سيـفَ كـلِّ نــشَامــَا

يـا حُلمَــنا المـأمـولِ إنـا مـِن هُــنا ** نَــسْتشـرِفُ الآمــالَ والأعــظـــامـَـا

مِـن قلــعةِ الأحـرارِ هــذِي المُــشْتَهَـى ** فخــرُ الــعروبــةِ "مــصرُهـا " الــقوَّامـَة

يـا جـارةَ الـوادي عـشـقـتُكِ مُـذْ جـرى** نـهـرٌ يـسوقُ الـشـوقَ وهـو مُـدامَـا).

ومقطعا من تنهيدة بحق فلسطين القضية المركزية للأمة العربية والإسلامية:

(متى تستفيقُ راجلًا وتستجيبُ ثائرًا

لصرخةِ البتولْ وأزمةِ العصورْ ؟

يا سيدي الرسولْ هناكَ في جزيرةِ العربْ

البعضُ فارسٌ في قتلِ سيدِ العربْ

والبعضُ ضالعٌ في سجنِ فارسٍ يستنهضُ العربْ

والبعضُ مارقٌ بل مدمنٌ في بيعِ هامةِ الشعوبِ

من جزيرة العربْ تبا لبائع الحقوق والإنسان في جزيرة العرب).

وفي الربيع الذي حسبناه عربيا:

(عادتْ إلى رَبعِ العَرينِ جَسورةً ** مِن بعدِ مَا قدْ زُلزلَتْ زِلزالُهَا

يَا قِبلةَ العُشاقِ قِيثارَ الهَوى ** مَن ذا يُدارِي قلبَهُ عن حُبِّهاَ

يا أنتِ ذَا الحُبلى بِكلِّ عجائبِ الـ- دهرِ الذي نطقَتْ بهِ أعْرافُهَا

النيلُ يَرسُمُ فِيكِ أجملَ لوحةٍ ** وقَصيدةٍ ثَمِلتْ فَهامَ نَديمُهَا

قدْ كُنتِ أُمُّ العَالِمينَ ولمْ تزلْ ** سُوحُ الجُمُوعِ تؤمُّهَا وترُومُهَا

مَن لَمْ تَطأ أقدامُهُ (مِصرَ) الهَوى ** خَسِرَ الحياةَ ومَا دَرى خُسرانَهَا !

مَن لمْ يَذُقْ نِيلَ الحياةِ بِغُرفَةٍ ** لَم يَشفِ مَا فِي النفسِ مِن أهْوالِهَا

بَدرُ الزمانِ وأنتِ آيةُ خَلْقِهِ ** فِي كُلِ مُنعَطَفٍ يُرَى إِعجَازُهَا

نِلْتِ الفَخارَ جَديدِهِ وقدِيمِهِ ** فِي الذِّكرِ يُتلَى رَسمُهَا بَل اْسمُهَا

الآمِنونَ إذا تنزُّلوا أَرْضَهَا ** السَّالِمونَ إذا تَعفَّرُوا ظِلَّهَا

وبِهَا يَلوذُ الهَائِمُونَ فينْعَمُوا ** بالأمْنِ فِي هَمَساتِهَا وجُنُونِهَا

فِي (الأزهَر) الأبْهَى يَفِيضُ مشاعِلا** مُنذُ الأزلْ فِسطَاطُهَا ورِبَاطُهَا

قُدْتِ العُروبةَ فأنْتشَتْ أركَانُهَا** ولِكُلِّ قومٍ فِي الدُّنَا مَن يَهْدِهَا

غُيِّبتِ رَدَحًا، فأنْزوَتْ أحْلامُنَا ** بَينَ الضُّلوعِ تَئِنُّ مِن أوجَاعِهَا

حتَّى أتَانا البِشرُ يَرسُمُ فرْحَةً ** غَابتْ زمَانًا واضْمَحَلَّ قَشِيبُهَا

يَا مُنيةَ الأحْرارِ فِيكِ سَّـاقـطَتْ ** أحْلامُ مَنْ يَئِسَ الحَيَا مِن قُبْحِهَا)

جُلُّ ما جادتْ به قريحتي الأدبية ، وطوال أكثر من ربع قرن ، كان في رحاب إرتريا نضالا ، وتحريرا ، واستشهادا ، واعتقالا ، وضياعا وشتاتا ، دون تمييز بين هذا وذاك:

( أيا سبتمبرَ الأمجادِ تبقى دائماً فيَنا ** فهلْ في الشِّعرِ أغنيةٌ أقفَّيهَا فتُحيينَا؟

وهولُ الحربِ ياصحبِي تذكرُّنَا مآسينَا ** تُكتِّمُها أضالعُنَا ، فتبدُو في مآقِينَا

ففي "عونا" قد ارتكبو جروحاً لم تزل فِينَا ** وفي "حرقيقو" في "بركا" خراب الدور يُبكينَا

وكلُّ الدورِ قد كُسيتْ سواداً مِن أعادينَا ** لَعمرِي تلكَ مافَتئِتْ تُذكرُنا مآسينَا

تُكتِّمهَا أضالعُنا فتبدُو فِي مآقينَا). وفي قصيدة تباشير الصباح:

( لا تحسبوا إخواتي في الشِّعرِ محمدةٌ ** تهدي شراشيفَها بعضا من الثمرِ

لكنها نفحةٌ هبت نسائمُها ** فأبرقتْ ذكرياتٍ طيبة الأثرِ

جاءت تقول لنا يا إخوتي خبرا ** طارتْ له أنفس فرحى إلى القمرِ

جاءت تقول لنا أهلا بمقدمها ** حرية شاوفتنا طيلة العُمُرِ

يغدون دارا بدتْ في القفر خيمتُه ** لعلهم يجدوا أنسا من البشرِ

فما يرونهم تقول ألسنةٌ ** ولاد أتوا ومطو يا نعم من خبرِ

ولاد قدم أرحبو رحيب سني ركبو ** مرحى بأبطالنا في اليسر والعسرِ

لا يسأمون أخاهم حين يطرقهم ** ولو أتى سائلا في ظلمة السَّحرِ

تبادلوا خبرا عن أعينٍ فسقت ** وما يقومُ به فرعونُ في الحضر

وبعد كل الذي نالوه من طُعُمٍ ** وما تناقلتِ الأبناءُ من خبرِ

يودعونهم والدمعُ في وجنةٍ ** حسناءَ ترقُبهم من خلف ذي السُّتُرِ

أما الرجال فلا دمع ولا وجل ** فكلهم فاعل في النصر والظفر).

وفي مقطع يلخص المشهد المأساوي:

(جاثت على صدرها الممهور شرذمةٌ ** في غفلة من زمان البين وا حربا

أيستقيم لها أمر تقدمه ** مفخَّخٌ ظلمُه للعدل قد سلبَا

أحنى له مسرحُ الآلام في وجع ** فمزق العهدَ والوعدَ الذي كتبا

وشرَّد الحلمَ مقهورا بلا جهةٍ ** وفارقت أمُنه الأجفانَ والهُدبَا

أهذه أسمرا كنا نبادلها ** عشقا بعشقٍ هما من حبها نصبا

كانتْ وكنا زمانا نحتسي قمرا ** واليومَ فارقتِ الأفراحَ والطربا

مالي أراها وقد عادتْ مقرحةً ** كأنَّها لم تر نجما ولا شهبا

وقد سلاها هزارٌ من أحبتها ** تبكي مرابعُها من هولِ ما ارتكبا

أما تراها وقد حُمَّتْ مفاصلُها ** بحرًا من الدمع يسقي أمنها نهبا

وأن ذا مشهدَ التحرير قد هجرتْ ** بلابلُ دوحه الأزهارَ والعنبا

يا أيها الوجع المعصوب من زمن ** فك الخيول وخل اللوم والعتبا

ما ذا دهاك وأيم الله أنك من ** يمحو بوثبته الأدران والعطبا

فلا أمان سرى بين الجفون ولا** أمن تلفحه الحلم الذي انسربا

رأسا على عقب الأشياء منكسرا ** من فرط ما بليت من هول ما ارتكبا

فلا المشارق تتلى من منابرها ** آيات معجزه ، والعدل قد غربا

ولا مغاربها تنفك عن ألمٍ ** فالكل من عجزه يستوضح السببا

ولا حياة غدت حلما لمجتهد ** يسطاع من أمره والكل قد نكبا

في كل ركن من الأقمار منسدل ** يشري بأدمعه بؤسا وقد صعبا). هذه نماذج من تفاعلي الأدبي في مسرح الكون بلا تضاد.

س 14:

معظم الذين غادروا النظامَ بعد فشل التجربة معه ، لم يكن في جعبتهم ملفات تُعرِّي خصمهم ، فماذا يهدي الشاعر الإعلامي الأستاذ أحمد شريف إلى القراءِ من أسرار النظام؟

ج : هذا سؤال مفخخ ، رغم إختلاف مفرداته ، من "إنسلاخ" إلى "مغادرة". ولستُ مخولا للإجابة ما إذا كان في جعبة المغادرين ما يُعري خصمهم ، أو ما يُقوِّى عودَهم بعد المغادرة. أعتقد جازما أن النظامَ لم يك في يوم من الأيام ، مُغطًى بثوب من لباس الحكم الراشد ، الذي يُخفِى بعض العيوب ، بالتالي فإنه متعرِّي ذاتيا ، إذا كان معنى التعرية ، هو ما يتعلق بإدارة النظام للحكم فسادا أو رشادا. ولأن من يعنيهم الأمر ، ظلوا في نوم عميق ، عن كل ما كان يجري من أحداث ، الآن وكأنَّ شمس النظام الآن قد أوشكت على المغيب ، بالتالي فإن عملية البحث والتنقيب عن ما يعتقده البعضُ عُوارا في جسد النظام ، هو بمثابة البحث عن جواز مرور إلى فترة انتقالية مُنتظرة ، هذه الهبَّة لا تعدو كونها ، نفرة آنية ، فقط لتجميع معلومات عن سؤات النظام وضلاله لكل مَن في نفسه يعقوب.

ولا أستبعد وجود معلومات غير مكشوفة للعوام ، لكن أن تكون خافضةً من شأن النظام ، رافعةً لمن يزعم أنه معارض ، أشك أن تكون هناك معلومات بهذا التقدير. لأنه وحتى المستور منها ، ليس بذي مغزى وتأثير مباشر في سقوط "الصَّنم" كما وصفه بعض منظريه. كلها لا تعدو أكثر من كونها أسرار شخصية لبعض ممن كانوا في مراكز اتخاذ القرار ، وقد أخذ عددهم في التراجع حاليا ، لأسباب ليس هذا مكانها.

أتمنى أن تكون قد وجدتَ ضالتَكَ ، فيما سمَّيتَه بـ "إهداءات ما في الجعبة من أسرار النظام" ، إلى القراء. كنتُ أعمل في مناخٍ مكشوف معروف "الإعلام والبرلمان والأدب بأشكاله المختلفة" وبفعل تكنولوجيا الاتصال ، العالم كله أصبح أصغر من قرية ، لذلك فإن أفضل ما أهدي إلى القراء ، هو الدعوة إلى إعمال مراجعات شاملة في مسائل احتلت عند الكثيرين منا – خاصة النخبة - الثوابت التي لا تقبل التقييم أو النقد ، التجربة الإرترية كلها ، بحاجة إلى مراجعات شاملة.

س 15:

تختلف آراء المعارضة الإرترية حول تقييم النظام ، فبينما يراه الإسلاميون وبعض المثقفين مثل ا لأستاذ الدبلوماسي فتحي عثمان ، بأنه طائفي ، يراه آخرون بأنه مستبد متسلط ، وليس له علاقة بالمسيحية ، فكيف يراه الأستاذ الإعلامي الشاعر أحمد شريف؟

ج : إختلاف الآراء حول تشخيص المجموعة "النظام" ، يعكس مستوى الأزمة المجتمعية التي تعصف بالعقل والفعل السياسي في إرتريا. ومن الغباء بمكان حصر الأزمة الإرترية فقط في تشخيص النظام ، أو المتطرفين أكثر في استماتتهم ، إلى حصر المشكل الإرتري في فترة زمنية محددة!! ومن ثم يذهب الكل ليؤرخ لها كيفما شاء هواه ، وهي أزمنة في مجملها مُفترىً عليها ، حيث يرمي كل إبن آوى ، ما في جعبته من نبالٍ ، يُجرِّم هذا ، ويرفع شأنَ هذا ، ويصنف هذا في غير علمٍ ولا تخصص ، والكل في الحقيقة ظالم ومظلوم ، بل فاعل ومفعول به.

ومن هنا شخصيا أدعو بإلحاح إلى الخروج عن الغرف المغلقة ، وهمسات المقاهي والفنادق ، وتحرير بيانات الندوات قبل انعقادها ، وتدشين تقارير الفعاليات المزعومة إلى السياسة ، والقعود لسنوات في إعمال عصف ذهني ، لتوصيف الكيان الآثم الجاثم ، على صدر الشعب والوطن ، ظلما وقهرًا واستعمارًا ، والسؤال عنه بإصرار ما إذا كان النظام القائم – تجاوزًا- طائفياً أو عنصرياً أو شوفنياً أو قبليًا! الأزمة أكبر من توصيف تلك المجموعة "النظام" ، لأن الوطن أكبر من كل الظالمين والأدعياء والمتاجرين.

كل الأوصاف تصلح أن تلبسها المجموعة "النظام"عن جدارةٍ ، غير تهمة الدين بما فيها "المسيحية". المجموعة تستخدم الدين وحتى "الإسلام" لصالحها ، تمريرًا لأجندة خاصة بها ، كما فعلتْ إثيوبيا الأمبراطورية باستغلال جزء من الطائفية المسيحية. هذه "المجموعة" ليس في جيناتها أية مسحة دينية غير التي دونتها في المذكرة الأولى"نحنا وأهدافنا" ، وهنا لا يمكن نفي استفادة المسيحيين من تخبطات المجموعة "النظام" ؛ لأن عقلية الإخوة المسيحيين قائمة على ترحيب كل من يعتلِي دفةَ الحكم ، تماهيا مع أمثلتها وقيمها المجتمعية. هنا وجد المسيحيون ضالتهم في أهواء "المجموعة" وتخبطها ، ولكن كنظام حكمٍ ، ليس له علاقة بالمسيحية كحاكمية ، في نفس الوقت لا أنفي ، أن سيف المجموعة ، ظل مسلولاً على رقاب الملسمين أكثر من غيرهم ، إلا أن ويلات حكمها وصلفها الآن ، أحاق بكل أفراد الشعب الإرتري دون تمييز ، هذه رؤيتي في "المجموعة".

ورغم ذلك ، فإن القضية الجوهرية ، هي أزمة مجتمع بحاله ، ليس وقفا على نظام أو مجموعة ، بالتالي علينا إعادة قراءة التاريخ والمشهد برمته قراءة شاملة ، وعدم تجميل التاريخ أو تقبيحه كيفما نهوى. وأمام هذا المأزق الخطير، الكل مدعو أكثر ، لإقامة مصالحة تاريخية ، لكل محطاتنا النضالية ، دون إحساس بالغبن ، أو محاولة لاستمراء ، سياسة طمس الخلف ، لمسيرة تاريخ السلف. تاريخ هذا الشعب. الوضع المتأزم يفرض على الجميع ضرورة ، تخطي مرحلة توصيف النظام "المجموعة" ، والعمل على قراءة التاريخ ، قراءة صادقة منصفة ، وتجفيف مستنقعات التاريخ ، أمام صلف الطغاة ، والمُنبَتِّين عن الجماعة ، الذين لا أرضاً قطعوا ، ولا ظهرًا أبقَوا. علينا وضع القوس في سهمه ، لا خارج نصله ، لنُدمي به ، عينَ من باع أمانة الشهداء ، وتاجر بها ، في سوق النخاسة ، لا تمنعه وصية الراحلين ، ولا بيعة الصامدين ، على الكفاف والجفاف ، ولا دمعة الأمهات الذارفات ، على أكبادهن وأرحامهن ، عبَرات الحسرة والندامة!

س 16

من خلال المشاهد الحية ، نجد أن سواد الشعب الإرتري يذوب في الإعجاب بالأغاني المحلية ويحفزها تصفيقا ورقصا ونشرا وتوزيعا وتوارثا ، ويعدها الملهم الأهم في مسيرته الطويلة ، وبالمقابل يواجه الإبداع باللغة العربية حجودًا وتجاهلاً ، هل تتفق مع هذا التقييم؟ وما هي الأسباب؟

ج : كبرى المشكلات في قضايا الشأن العام الإرتري على وجه الخصوص ، تتمثل في عدم وجود دراسات وأبحاث علمية ، تُتَّخذ مرجعيات معلوماتية ، نستطيع من خلالها توصيف وتحليل ، ما تشابه علينا ، من أمور الحراك المجتمعي. وقد انعكس هذا الواقع في تساؤلاتنا وفرضياتنا للأشياء وأحكامنا للأمور ، وفهمنا للحياة حتى . لذا الجميع وقع في أزمة التحليل وتقييم التجارب العامة والخاصة ، بما في ذلك تاريخنا ، نضالا سياسيا ، وكفاحا ، ثورة ، - باستثناء بعض الأقلام - وإدارة دولة ... الخ. ونظرا لإفتقادنا مرجعات منهجية ، ومعلومات بحثية واستقصاءات ميدانية مواكبة ، تتصارع رؤانا في كل شيء ، بدلا من أن تختلف وتتباين ؛ لأن في الصراع دوماً قاتلاً ومقتولاً ، بخلاف التباين وإختلاف وجهات النظر!!

ورغم قناعتي بذلك ، إلا أنه وتوظيفا لفكرة المقابلة ومنهجيتها (س وج) ، أشير بأني لم أقف على دراسة علمية أو بحث ميداني منهجي ، يؤكد حقيقة ما ورد في التسآؤل بـ"سواد الشعب الإرتري يذوب في الإعجاب بالأغاني المحلية ويحفزها....الخ" ، كحقيقة. فإذا كان مبعث التسآؤل ينطلق ، لمجرد ما نشاهده عبر وسائل الاتصال الجماهيري قديمها وحديثها ، من رقص وتصفيق وجنون في بعض الأحيان ، لفئة كبيرة من المواطنين ، بالتالي يظل التسآؤل في دائرة الفرضية لا غير ، مع ذلك لا أنفي تلك الملاحظة على الإطلاق.

ولو سلَّمنا جدلا فرضية ملاحظة الذوبان والإعجاب وتداعياتها ، في سوادنا الأعظم ، في الغناء رفسا ودورانا في الموسيقى ، أحسب أن شعبنا ليس استثناء عن غيره من الشعوب في المنطقة. الموسيقى والغناء ، لون من ألوان التعبير الإنساني ، وحتى الشعوب القديمة استخدمت الموسيقى في نغمات أو مقامات أو أغنيات كوسيلة من وسائل التطبيب والعلاج منذ الزمن اليوناني القديم. كما أن قضية الموسيقى والغناء من الناحية الشرعية (إسلاميا) ثار فيها جدل كبير ، بين علماء الإسلام منذ العصور الأولى ، فمنهم من خنقها في دائرة التحريم المطلق ، بوصفها من جملة الملاهي المحرمة ، ومنهم من أجازه أي الغناء بغير آلة موسيقية ، على عكس من أجازه بآلة أو بغير آلة موسيقية ، بمنطق ما كان حسنُهُ حسنٌ ، وما كان قبيحُه قبيحٌ. وأن الأصل في الأشياء الإباحة (وقد فَصَّل لكم ما حُرِّم عليكم إلاَّ ما اضطررتم إليه) و(أن ما سُكِت عنه فهو عفوٌ ، فأقبلوا من الله عافيتَه) رأي "إبن حزم". وعند "أفلاطون" (من حزن فليستمع للأصوات الطيبة ، فإن النفس ، إذا حزِنتْ خمد نورُها ، فإذا سمعتْ ما يطربها ، أشتعل فيها ما خَمُد). وفي ميادين علم التربية والنفس والطب الحديث ، ما يؤكد دور الموسيقى والغناء في حياة الإنسان وصحته الانفعالية والفكرية والعقلية والجسدية.

وباستقراء بعض من تاريخ الشعب الإرتري ، فإن ذوبان الشعب في أسرجة الفن عموماً ، والغناء تحديدا ، أراه انفعالا طبيعيا ، فإن أول متنفس للشعب في قضاياه السياسية والحقوقية ، كان عبر نافذة الفنون عموما. حيث برز الحِسُّ الوطني أولا في شكله الغنائي ، قبل الحراك السياسي. كما أن تأثير أعمال فرقة أسمرا الفنية (ما .تا. آ ) لم يك محصورًا في الغناء ، بل كان بعدًا سياسياً واضحاً ، لكنها أي الفرقة تخذت الغناء وسيلة ، وأزعم أن تأثيرها كان أقوى ، من الحراك السياسي (للحركة) ، رغم أن الأخيرة سبقتْ ميلاد فرقة أسمرا الفنية. كما أن تأثير الفرق الفنية الأخرى التي تخرَّجت من الفرقة الأم ، هي الأخرى كان لها ، الدور الكبير في إلتحام الشعب بثورته ، خاصة كوكبة الفنانين والممثلين الذين إلتحقوا بشكل شبه جماعي ، في منتصف سبعينيات القرن الماضي بصفوف جبهة التحرير الإرترية ، وكان لدورهم كبير الأثر ، في التحاق الشباب بركب الثورة من ناحية ، وفي مواجهة التيارات السياسية الأخرى خاصة (الجبهة الشعبية ) من ناحية أخرى.

ونتاجاً للتغيرات الدراماتيكية التي حدثت في الميدان ، وخروج جبهة التحرير الإرترية عن المشهد الميداني ، بفعل عوامل داخلية وإقلمية ودولية ، ثم مواصلة الجبهة الشعبية ، في اعتماد سياسة الدفع بتيار الفن وترسيخه ، وفق منهجية مقصودة ، عندما أولت في فترة ما قبل التحرير وما بعده مسألة الفنون بالشكل الذي خططته ، اهتمامها الكبير ، وسخرت كل إمكاناتها ، لتأكيد سياستها ، بالتالي ليس غريبا أن يتمظهر الفن ، كأنه الملهم الأهم في مسيرة النضال الطويلة ، مع التأكيد على دور الفنون في رفع الوعي الوطني. بالتالي (الجبهة الشعبية) التي تعتبر القوة الفاعلة في دائرة التأثير المجتمعي منذ بداية ثمانينيات القرن الماضي وحتى تأريخه ، لها القدح الأكبر في تشكيل مفاهيم الشخصية الإرترية في كل شيء ، وهنا تكمن خطورة المرحلة.

وإن كنتُ أختلف بعض الشيء ، في مسألة "الجحود والتجاهل إزاء الإبداع العربي" ، لكن في تسآؤلك شيء من المنطق. وبرأيي المسألة لا تتوقف في "الاتفاق أو الاختلاف" ، تراجع الإبداع العربي في إرتريا ، مسبباته كثيرة ، يعني الفاعلون فيه كثر. على رأسهم فرعون الحكم في إرتريا منذ الفترة التي أشرت إليها ، وجوقة أخرى بما فيهم ، حاملو الثقافة العربية أنفسهم ، سواء من النخب ، أو أدعيائهم أو الإعلاميين ودخلائهم ، والشعراء وربائبهم ، والفنانين وأحفادهم ، بعض من كل هؤلاء. ومن هنا فإنَّ النُّصُلَ التي صُوِّبت لمحاصرة الإبداع العربي الإرتري ، كثيرة والمشاركون في أسباب عزائه أكثر.

س 17

"خبير إعلامي" وصف اشتهرت به ، كيف أتتْ هذه الخبرة نظريا وتطبيقيا؟ وكيف تتطور عندك؟

ج : أحسب أنه حان الأوان ، للإجابة على سؤال قد أينعَ وحان قطافه. ورغم أنَّي لستُ مجبرا على تلمس بعض أدواتي المهنية ، للإجابة على سؤال توقعتُه بفطنة وقَّادة ، لا أريد أن أحيل السائل إلى تلك التي ، فتكتْ بها ، وقوَّضتُ لها أسنانَ أقلامٍ ضالةٍ مُضِلة ، عندما حاولتْ التجاسر والتنطع في جعجعةٍ بغير طحين. رغم ذلك أحيلك قليلا إلى معنى "خبير" لغة واصطلاحا : فقد ورد في معجم المعاني الجامع في لفظ (خبير) ما معنى من معاني "خبير". خَبَرَ: ( فعل ) خبَرَ يَخبُر خُبْرًا وخِبْرَةً و خُبْرَةً وخُبُورًا وخِبْرًا ومَخْبرَةً ، فهو خابِر وخبير ، والمفعول مَخْبور خَبَر الحياةَ : علِمها وعرَف حقيقتَها عن تجربة.خَبَرَتْهُ التَّجَارِبُ خَبْرًا وخُبْرَةً و خِبْرَةً : عَلَّمَتْهُ.خبَرَ الرَّجُلَ خِبْرًا وخِبْرَةً ، ومَخْبرَةً : اختبره ، امتحنه ليعرفَ حقيقتَه.مِنْ أين خَبَرْت هذا الأمر ؟: أي من أين عرفت حقيقتَه ؟ خَبَرَ الأرْضَ خُبْرًا : حَرَثَهَا خَبَرَ الطَّعَامَ خُبْرًا : دَسَّمَهُ.خَبَرَتِ الناقه خُبُورًا : غَزُرَ لبنُها .2- خَبُرَ: ( فعل ).خبُرَ / خبُرَ بـ يخبُر ، خُبْرًا وخِبْرَةً ، فهو خبير ، والمفعول مَخْبُور به.خَبُرَ الأَمْرَ : عَرَفَهُ عَلَى حَقِيقَتِهِ ، جَرَّبَهُ. خَبُرَ بِالأَمْرِ : عَلِمَهُ.خَبُرَ الرَّجُلُ : صَارَ خَبِيراً مُجَرِّباخَبُرَتِ النَّاقةُ : غَزُرَ لَبَنُهَا ، خَبَرَتْ. 3- خَبير: ( اسم ) الجمع : خُبَرَاءُ ، خَبِيرَاتٌ. الخَبِيرُ : ذو الخِبَرة الذي يَخْبُرُ الشيءَ بعلْمِهِ. الخبير : اسم من أسماء الله الحسنى ، ومعناه : العالم بكُنْه الشّيء ، المطّلع على حقيقته ، الذي لا تخفى عليه خافية. خبير: ( اسم ). خبير : فاعل من خَبُرَ. كما أن الصفة التي وردت في السؤال من حيث اللغة : هي الحالة التي يكون عليها الشيء من حليته ونعته ، كالسواد والبياض والعمل والجهل. والصفة: (عند النحويين) هي الكلمة التي تدل على معنى يضاف إلى الاسم للدلالة على عالة له ، وهي النعت ، واسم الفاعل ، واسم المفعول ، والصفة المشبه ، واسم التفضيل.

وفيما يخص "إتيان هذه الخبرة" ، فأن الخبرات العلمية والمهنية ، لا تُشترى ولا تُباع في الأسواق أبيضها وأسودها ، لكنها تُكتَسب بالتحصيل العلمي والمران والممارسة. شخصيا أمارس هذا العمل منذ المرحلة المتوسطة من عام 1981 حتى تاريخه 2016 ، ليس ممارسة نظرية فقط ، بل تطبيقيا عمليا. ففي المرحلة الإعدادية رئيسا للجمعية الأدبية ، وفي الثانوية رئيس للإذاعة المدرسية ، ثم طالبا بكلية الإعلام جامعة أم درمان الإسلامية ، ثم مسؤولا للإعلام والتوجيه الثقافي بجهاز التعليم الإرتري ، ثم صحفيا في وسائل الإعلام (إذاعة – صحافة – تلفزيون) بوزارة الإعلام الإرترية ، ثم مسؤولا عن لجنة الإعلام في برلمان الإقليم الأوسط بإرتريا ، ثم صحفيا مذيعا بقناة "الحديث العراقية" في مدينة الإنتاج الإعلامي بالقاهرة ، ثم خبيرًا إعلامياً بمجلس وزراء الإعلام العرب ، في جامعة الدول العربية ، وأحمل درجة علمية في أطروحة الماجستير في الصحافة الإلكترونية وحوار الحضارات ، ومسجل مبدئياً لأطروحة الدكتوراه في إحدى الجامعات المصرية ، الآن مراسلا لمنظمة صحفيون بلا حدود في عموم استراليا (إذاعة إرينا الدولية ) ، ولا يزال الصوت والفكر حميان إعلاما وأدبا وأشياء أخرى.

لديَّ خبرة إعلامية ، لو كانتْ في محيط آخر ، كنتُ سأجني ثمارَها ، وأُطعمُ منها بعضَ القاعدين من أولِى الضَّرر ذكاةً للعلم والفكر ، أولو الضرر الذين لا يعرفون للأشياء حقيقتها ، إلاَّ إذا تم تلقينهم من وسائل إعلامٍ ، هي عندهم كتبً منزَّلة ، حتى لو كانت تلك الوسائل ، كافرةً بحقوقهم بشراً متحركين !!! أمَّا أن يقولها شخص مثلي "أنه خبير" في مهنته (نظريا وتطبيقيا) ، ويحمل فيها درجات علمية ، ولا يزال يمارسها نزولا إلى رغبة وطنية ، هنا يجِن جنونُهم المريض! هذا هو المجتمع الذي اتخذتُ له ذات يوم قرارًا وطنياً لا أندم عليه أبدًا ، فضَّلتُ بمحض إرادتي أن أكون صحفياً إعلامياً وطنياً محترفاً ، وقد كنتُ رغم أنف الحاقدين مع النجوم ، شيخاً ولا أزال في الممارسة الإعلامية المحترفة. كنتُ مع أولئك النفر ، فاعلاً مؤثرًا في كل مفاصل العمل الإعلامي الإرتري لفترة ما بعد التحرير ، ولا أزال أحد منظريه وخبراءه ولو سقطتْ عيونُ الفَسقةِ والفَجرة .ولا أشكك في خبرات الآخرين ، فكلٌّ خبيرٌ فيما يعمل ، لماذا يتحسر الناسُ ويموتون غيظاً ، عندما يتحدث البعضُ عن خبراته؟ كل يعمل على شاكلته!!!

لا أمارس المهنة ، فقط لصدفة أملتها عليَّ رخص المداد ، أو هيأتها لي ظروفُ تردي العقلي الإرتري ، كما لم تسقها إليَّ مساومات طائفية قبلية ، أو مماحكات جهوية ، استحكاما لزمن الرويبضة. لستُ من أولئك وهؤلاء ، إنما أنا بشر يعمل في وضح النهار ، لا أمارس تجارة سوداء ، ولا أتنفس إلاَّ في الهواء الطلق ، إعلاماً وأدباً. ولم أقل إني "خبير إعلامي" ، إلاَّ عندما شاهدتُ ، ما يُلقِّيه وينشره البعضُ من سؤات أعماله ، لا يدفنها كما تفن القططُ خرءًها ، حيث أتاحتْ تكنولوجيا الاتصال ، سهولة تسلق سلالم التفسخ ، وهي في الحقيقة مشانق بل مزالق! والأدهى والأنكأ ، أن هؤلاء يستوفون على أنفسهم في غيرِ علمٍ ، ويخسرون على الآخرين تخصصاتهم العلمية.

إذ ليس عيباً ، بل من واجب الضرورة العلمية ، أن يقول المرء أنا هنا. فالنبي يوسف عليه السلام ، لم يقل (إجعلني على حزائن الأرض إنِّي حفيظ عليم) ، إلاَّ بعد علمه ومشاهاداته تحركات بعض السماسرة في قصور "عزيز مصر" وقد احتلوا غير أماكانهم ، فأراد أن يستفزهم بعلمه ، الموهوب إليه من حكيمٍ حميد ، ولنا في الأولين عبرةٌ وقصصٌ ؛ لأننا من أولى الألباب.

وتأكيدًا على عقلية التَّلقين هذه ، التي أقعدتْ العقل الإرتري عن حركته ، أسوق هذه الواقعة التي حدثتْ في وزارة الإعلام الإرترية. صدر تعميم شفاهي بأن يذكر مذيعو الأخبار في التلفزيون اسمهم أثناء تقديمهم للنشرة. أرتأيتُ أن أقول في مستهل النشرة بعد التحية " أنا أحمد شريف أحييكم وأقدم لكم نشرة الأخبار" ، بعد أيامْ ، يطلب مني أحدُ الزملاء بالقسم العربي في التلفزيون – لا داعي لذكر اسمه – أن لا أقول "العبارة سالفة الذكر"! استوضحتُه السبب!! وطلبت منه اقتراح بديل فقط للاختبار لا غير ، حتى أقيم عليه حجة إعلامية ، فلم يقل غير قولته أنها عبارة غير مناسبة!!! ظللتُ مستعصمًا بتحيتي إياها ، إلى أن جاء الزميل الإعلامي في قناة الجزيرة الاستاذ / أسعد طه ، في برنامجه الشهير (يُحكَى أنَّ) ليقول نفس العبارة " " أنا أسعد طه أحييكم و.....". وشهد شاهد من أهلها هو نفسه ، يقول لي " يا شريف ستمعتُ الإعلامي الكبير أسعد يقول في تحية أنا أسعد طه" ، وأدرف " كلامك كان صحيحا " ، رددتُ عليه ضاحكا :" يعني لازم تسمعوها من قناة الجزيرة ؟ " هذا مشهد يصور حجم أزمة النقل والعقل في مجتمعنا ، وما أدراك من مشاهدنا العجاب!!!!

س 18

في الختام نلتَمِسُ منك الإجابةَ على السؤال الذي تجاهلتْه هذه المقابلة؟

ج : ( ضحكة عالية ) ثم قال :، أتابع ما يُطرح من قضايا وأفكار وحوارات ، في أوساطنا نحن الإرتريين المقيمين في الخارج ، باللغتين العربية والتجرينية. أقول بصدق وحرص شديدين ، بغض النظر عن حقيقة ما يُطرح في أوساط المتحدثين باللغة التجرينية ، ولكن بوضع مقاربة بين ما نطرحه نحن أصحاب الثقافة العربية ، وبين ما يطرحه الإخوة أصحاب الثقافة الأخرى ، الفرق كبير والبون شاسع!! سواء في نوعية الأفكار المطروحة ، أو في أسلوب التناول ، بل وحتى ثقافة تقبل الرأي للرأي الآخر ، أو في الدعوة إلى إعمال مراجعات في كثير من قضايا الوطن. بالتالي علينا نحن أصحاب الثقافة العربية (ولا أود أن أصدم القارئ بتسمية الأشياء بمسياتها مع الأسف) ، علينا ضرورة متابعة ومراقبة الآخر ، فكرا ورؤى ، للاستفادة من الموضوعي فيما يطرحونه ، وهو الأغلب ، وليس عيبا في ذلك ، إذا ما كنا نرغب في تحقيق شيء على أرض الواقع ، لا مجرد حديث هنا وهناك ، ومعارك بينية لا طائل وراءها.

ومن الحكمة ، أن نعرف موقعنا من الأهداف التي نؤمن بها ، أكثر من ملامستنا وترديدنا شعاراتٍ وأمكنةٍ نقف على أرضها متمرسين متخندقين. شكرا