بقلم / الحسين علي كرار
  2017 /01/18 

شيء من التاريخ غير الموثق (1)
قرية سيدنا مصطفي ود حسن

ودورها في الحياة الدينية والسياسية

غير بعيد في الشمال الغربي من مدينة أغردات تقع قرية أسسها الشيخ مصطفي ود حسن وتسمي باسمه(عد سيدنا مصطفي) وقريته الأصلية ليست ببعيدة عنها وتسمي (إداديت) وتوجد قرى أخرى ليست ببعيدة عن هذه القرية بأسماء أبنائه(عد شيخ الأمين) (وعد شيخ محمد ) و(عد شريف )  >>>>

 

 


شيء من التاريخ غير الموثق

الباريا (النارا) تاريخ وجذور وثقافة

الحلقة - الثانية
 


قبيلة الباريا تعتبر من أعرق القبائل النيلية التي هي أساس بني حام حسب علماء الأجناس البشرية ويتركز وجودها في النيل الأزرق وهي من مكونات شعوب حوض النيل وتعتبر من أقدم القبائل كالدينكا والشلك والنوير ويقول الأستاذ التيجاني عامر الذي لخص تجربته التي عاشها في جنوب السودان كما يقول في كتابه خلفيات تاريخية لجنوب السودان(( وسكان مديرية أعالي النيل علي سعتها وتمددها حتى تخوم أثيوبيا لا يزيدون عن ثلاثة قبائل كبري هم الدينكا والنوير والشلك على أن الأغلبية الدينكا وهم اكبر القبائل إطلاقا يسكنون ببحر الغزال ، وهذه القبائل الثلاثة قد اجمع علماء الأجناس البشرية على تسميتهم بالقبائل النيلية ....... وقد ضم بعض علماء الأجناس قبيلة الباريا للسلالات النيلية)).

وفي كتب التاريخ الذي كتبها المؤرخون العرب كاليعقوبى ذكرت قبائل الباريا والبازين من ضمن مكونات قبائل البجا من حيث الامتداد الجغرافي ولكن لم يتطرقوا في تفاصيل حياتهم الاجتماعية والثقافية كما ورد في كتاب تاريخ ارتريا لعثمان صالح سبي ، ويقول سبي في هذا الكتاب ( فقد كان سكان حوض القاش الأصليون من سلالات نيلية استوطنت المنطقة منذ خمسة آلاف سنة إلى أن طرأ عنصر البجا الرحل فكان أن دفعوا بالسكان النيليين نحو الجبال الأقل خصوبة ... ويرجح أن تنتمي قبائل الباريا والبازا الحالية بصلة إلى أولئك القوم ) كما يذكر في كتابه التركيب السكاني في ارتريا العناصر والقبائل (يتوزع الباريا على وحدتين هما المقرايب في الغرب والهجر في الشرق وكلاهما في بارنتو ، ولكل وحدة زعيم يسمى (ماسينقه) أو العمدة ولكل فرع نائب يسمى (نادا) أو الوكيل وفي القيادة يقول في نفس هذا المرجع (أخضع الباريا أنفسهم منذ زمن بعيد إلى قيادة موحدة بإشراف زعيم أعلي يدعى على الطريقة العربية (ناظر).

وعندما أتناول هذا الموضوع كذلك لا تسعفني معلومات ووثائق مكتوبة ، لأن تأريخ كل المكونات يغلب عليه الطابع الشفوي ، ولهذا ما أكتبه هنا بعضه من حياة مجتمع قبيلة الباريا وبعضه يعتمد عن استنتاج من الوقائع التاريخية وعلاقاتهم بجيرانهم من قبائل البجا ، وكذلك بعض الأسماء المشتركة التي يتميزون بها عن غيرهم من القبائل وهي أسماء تجدها في سكان النيل الأزرق مثل ، الري ، عقار ، دنقس وغيرها مما يوحي بامتدادهم .

ولكن حديثا طغى اسم (النارا) على هذا المكون الاجتماعي فهل النارا مجتمع منفصل أم هم امتداد لقبيلة الباريا التي اشتهروا بها تاريخيا حتى وقت قريب ؟ وربما البعض من الجيل الجديد لا يميز بأن النارا هم الفرع من الباريا وهذا في اعتقادي خطأ كبير، لأن الباريا تاريخ وجذور والنارا فرع من هذا التاريخ وهذه الجذور .

حكى لي أحد الإخوان وهو رجل مسن وعلاقاته بالسياسة ضعيفة ، إنه قبل سنوات سافر إلى ارتريا وهو كان يعمل في احدي دول الخليج ، وكان في مقهى بمدينة أغردات يشرب الشاي وكان طفل في عمر الثانية عشر تقريبا كان يعمل في المقهى فيقول شبهته وسألته يا ولد أنت من قبيلة الباريا يقول صرخ الولد وجن جنونه وفسر الكلمة بمعني لا أريده ، يقول رد عليّ بغضب شديد وقال كيف تقول لي أنت من الباريا ، وسوف أشتكيك إلى الشرطة حاليا ، فحاولت أن أفهمه ما قصدته ولكنه رفض ذلك ، ولكني استطعت أخيرا تهدئته ، لأن شكواه ستجرني إلى المصائب والسجن مع قوم لا يفقهون ، و بعد أن عاد للهدوء قال لي يا عمي أنت رجل كبير واحتراما لسنك وشيبك أعفيتك ولكن لا تكررها مرة أخرى ، فحمدت الله على الخروج من هذه الورطة ، لذا يجب على الإخوة النارا أن ينبهوا الجيل الجديد الذي نشأ تحت اسم النارا أن لا يفسروا تأريخهم بالسطحيات ، فالباريا أصلهم والنارا اسم تفرع من هذه القبيلة العريقة ، فمن لا يملك الجذور لا يملك الأصل ، واسم النارا يطلقونه على أنفسهم ، وإذا قابلت أحدهم وهو لا يعرف أي لهجة أخرى ، يسألك (نرا بنا إشدا ) (هل تعرف لهجة النارا) وكذلك تطلقه عليهم قبائل البجا ، إذا تحدثت عنهم في الزراعة فقط بالبداويت ناركاب ، وبالتقرى ناركاباي ، فمصدر الاسم هو الرجل المتمسك بالزراعة وفي غيرها من الحالات يقولون عنهم الباريا ، وهم كذلك مع الغير يقولون نحن الباريا ، وقد أخبرني أحد المعارف أن القسيس ديمطروس طلب من الشيخ الناظر محمد أري يرحمه الله في ستينات القرن الماضي وهو كان عضوا في البرلمان الارتري ، أن يتركوا اسم الباريا ويسمو باسم النارا ، فرد عليه (نحن هويتنا لا تحددها لنا مفردات التجرنية)، فاسم النارا كان مطروحا في الخمسينات من القرن الماضي فيجب المحافظة على اسم الباريا كجذور أصيلة مع اسم النارا.

و الباريا يدينون بالإسلام ومحافظون في حياتهم الاجتماعية وفي علاقاتهم الأسرية ، وكما سبق ذكره ينقسمون إلى فرعين ، فرع يعرف ب باريا (هجر) وهم في غالبيتهم سكان بركة وامتداده حتى بارنتو ، وفرع أخر يعرف ب باريا مقراييب ويمتد من بارنتو إلى أخر القاش وسيتيت ، فنجد هنا كلمة هجر تطلق على فرع من القبيلة ولكنها منطقة موجودة في الساحل ، وكذلك حسب المراجع التاريخية فإن هجر كانت عاصمة البلو ، ويقول عثمان صالح سبي في كتابه تاريخ ارتريا هي مدينة أم حجر على نهر السيتيت ، فما علاقة هذا الاسم بهذه المدينة فهل كانوا كذلك من ضمن

سكانها؟ أسئلة قد ترد إلى الأذهان ، كذلك الفرع الآخر المعروف ب باريا مقرايب نجد أن الاسم هو اسم لفرع من القبيلة ولكنه كذلك اسم لنهر مقرايب وقد نجد الأسماء المحيطة بنهر مقرايب ، مشابهة لهذه التسمية مثل هريساتيب ، منطقة ليست بعيدة عن النهر ولكوييب ، وساسريب ، وهمشكوريب ، وهي تسميات بجاوية ، من هنا نجد أن الباريا كان يربطهم التاريخ العريق مع قبائل البجا والعيش معهم في حياة مشتركة منذ آلاف السنين ، ولكنهم حافظوا على خصوصياتهم في العادات والتقاليد وإن كانت لا تختلف كثيرا عن عادات وتقاليد قبائل البجا سواء في الأعراف والتقاليد أو غيرها مثل الزواج أو الوفيات، لأنها مستوحاة من الإسلام ، وكذلك يشتركون معهم في تربية المواشي ولكنهم مستقرون غير متنقلين فهم يجمعون بين الرعي والزراعة ، وإن كانت حياتهم مطبوعة كجيرانهم بالبداوة.

وتعتمد قبيلة النارا على الزراعة لتؤمّن طعام عامها من الذرة عكس محيطها قبائل البجا التي تعتمد على جلب الذرة بالجلابة ، ويزرعون بجانب الذرة الدخن وهو أول ما يبدؤون به قبل زراعة الذرة لأنه يستوي قبل الموسم في فترة 30- 40 يوما فيسعفهم في حياتهم المعيشية مبكرا قبل الحصاد ، وهو وجبة العشاء على مدار العام، فالنارا لا يتناولون المالح من الطعام في العشاء بل يتناولون عصيدة الدخن أو القراصة الفطيرة بالحليب ، وعند الشتاء يحبذون مديدة يسمونها ( كالوت) عبارة عن مديدة تتخللها قطع من نفس الدخن مثل قطع الأناناس ،كذلك يشتهرون بعصيدة التكوشم وهي العصيدة المتماسكة القوية التي تستمر دون أن تتلف لأيام، يحملها المزارع والمسافر معه ولا تتأثر من الداخل وتمكث أيام فقد تحيطها قشرة من الخارج من نفس العصيدة ، وقد يكون ملاحها في حشوت داخلها من السمسم المقلي والمعجون ، ويقولون للكسرة السودانية الخفيفة وهي تشتهر عندهم دون بقية القبائل وأعتقد هي امتداد لثقافتهم (تابيتا) وهي تقدم في مناسبات الأعراس ويكون ملاحها مرق الذبائح ، ويقولون في مزاحهم عنها ( تابيتا كشن نيقو كيلا قي نوتا امباتا ) معناها (كسرة التابيتا بكشنتها يعلوها قطع اللحم لا مثيل لها ) وكلمة التابيتا تقال للكسرة الحبشية ولكنهم لا يعرفونها إلا حديثا ، ووجبات الطعام الساخنة الأساسية عندهم هي فترتين الصباحية في الفطور و المسائية في العشاء ، أما الغداء فيكون من ما بقي من فطور الصباح ، ويسمون وجبة الصباح ( فت ّ الريق ) وممكن يكون أصلها عربي تعني ( فك الريق)

وفي عادات الزواج عند النارا يكون الصداق من الغنم ويختلف العدد ولكن لا يكون أقل عن ثلاثة أو أربعة رأس ، وهو حسب الشريعة ملك خاص للزوجة ولكن تتم رعايته وحفظه من قبل أهلها فيتم استلامه من قبل والد ها أو من ينوب عنه بعد العقد وليس مع الزوج أو أهله .

وتكون الدلالت (بيت العروس) من أربعة بروش بحجم صغير وتقوم عند أهل الزوج وهم من يقومون بتجهيزها ، ومن العادات أنه في ليلة الزواج يقدم أهل العريس لأهل العروس (تيس) (ونعجة) للذبح ، يذبح التيس في ليلة العرس للعشاء للضيوف ويسمي (برو كيتا ) والنعجة تذبح للغداء وتسمي ( برو دو ) ويشترط في هذه النعجة أن تكون بيضاء وغير مقلمة (غير ملونة ) أن تكون بلون واحد أبيض وأن تكون بحجم كبير وسمينة ، وليس بها عيوب لا في العيون أو في الأذن أو الأسنان ، فشرط هذه النعجة تكاد تكون هي شروط ذبيحة عيد الأضحى ، ويكون لحمها شربة التابيتا لغداء الضيوف نهار العرس .

ويتم إحضار العروس سواء كانت في القرية أو في قرية أخري بجمل يوضع فوقه سرير وهي تكون راقدة ويمسكنها امرأتين ، ومن العادات أن تبكي بصوت مرتفع ولو كانت المسافة بعيدة ، ولكن هذه العادة قد تلاشت ، وتنزل العروس في الدلالت وتمكث بها أربعة أشهر ، ولا تخرج منها ، ولا تزور منزل حماتها كاحترام لها في هذه الفترة ، وهي تشتغل أثناء النهار بالأعمال اليدوية مثل الأطباق وغيره ، وعند اكتمال الشهور الأربعة تقدم هذه الأشياء كهدية لحماتها ، و ترجع لأهلها لمدة شهر واحد وترافقها الحماة ، وأثناء فترة الشهور الأربعة ترتدي ثياب العرس والثوب الأبيض وليس غيره ، وكذلك يكون شعرها كأنها فتاة (ماي تيبل) أو بوب بالمصطلح الحديث ، وعند عودتها تقدم لها الملابس الجديدة البديلة لملابس العرس وعند أهلها تسرح تسريحة العروس ، الشعر علي الشقين وتكون القصة وترتدي الزينة من الذهب والأكمام في اليدين والأحجال في القدمين ، وبعد انقضاء مدة الشهر تأتي الحماية وتأخذها هذه المرة كعروس مزينة بالذهب والفضة ويكونوا قد جهزوا لها منزلها من القطية وتتسلم إدارة منزلها بنفسها وتكون مسئولة عن زوجها ، وتتحرر من قيد عدم زيارة منزل الحماة .

وأغنية السيرة في الزواج هي مثلهم مثل جيرانهم بلهجة التجري ( أنا دلي – شيبو – دوبي- مرعاونا _ وشلال ) ورقص الرجال هو و(د سومية )و رقص النساء بشعر الرأس وهي واقفة وليس بالجسد

والنارا يشتهرون بالشجاعة في القتال وأنهم قوم محاربون سلاحهم الدروع والرماح والسيوف والسكاكين بأنواع خناجرها،ويحملون العصا بأنواعه في حالاتهم العادية .

وتعتبر مدينة بارنتو عاصمة النارا واسمها مشتق من كلمة ( با رينكو) أي الماء الأبيض ، وبالتقري (ماي طادا) وبالكنامة (بايارا ) فغلبت بارينكو المحرفة إلي بارنتو، ومصدر الاسم أن نهر (سوسنا) الذي يشق المدينة إلي قسمين كانت مياهه تجري علي طول الفصول كقمر يتلألأ فاسمها مشتق من بياض ماء هذا النهر.

وكانت إدارة المدينة مقسمة بين نظارتين نظارة الباريا التي ناظرها الشيخ محمد أري ونظارة الكناما التي كانت لآل بادمي ثم انتقلت للشيخ الناظر فايد تونجو وكانت هناك في بارنتو عمودية لعموم قبائل البني عامر حسب إمتداد الإقليم إلي تسني وكان يرأسها الشيخ / العمدة حامد همد ، وكذلك كانت هناك نظارتين في هيكوتة نظارة كان يرأسها الشيخ أدم سليمان ونظارة أخري في تسني كان يرأسها الشيخ الناظر كبرو ، ،والسلطة الحقيقية القوية لمحافظة بارنتو كانت للنرا حتى عام 1967 عندما وقعت المذابح والمجازر الأثيوبية، في بركا والقاش وسيتيت ، فقد استشهد علي يد الأثيوبيين في مذبحة مدينة أم حجر(جعفر) ابن الشيخ الناظر محمد أري وكان موظفا هناك ، وكانت هذه المدينة قد شهدت المجازر العديدة علي يد الجيش الأثيوبي ، وبعد هذه المجاز هرب الكثير من الشباب ، وكان بداية تعيين المحافظ قبر قال من إقليم حماسين إلي المدينة وهو كذلك كان بداية التجرنة في مدينة بارنتو فضعف نفوذ النارا وتقلص وتقوي نفوذ التجرنية الذين لم يكن لهم وجود في المدينة حتى ذلك التاريخ،اللهم إلا حي واحد كان يعرف باسم (حلة حبش) في غرب المدينة.