بقلم / علي محمد محمود

2016/12/04

بسم الله الرحمن الرحيم
أبوصابر الوطن فهل الوطن صابر
 


في تلك الربوع الخضراء من روابي أرتريا ولد سعيد وللاسم ظلال وللفأل مثال ، ولد والوطن مفعم بحراك سياسي وثقافي محموم ، أملته يقظة المنطقة بعد ثبات ، وبالذات أرتريا التي هي خاصرة تلك المنطقة ، مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية وخروج إيطاليا من أرتريا ، وهي مرحلة تطلعات إلى الانعتاق والتحرر والاستقلال ، فرضع الأطفال من أثداء الأمهات تلك التدفقات الوطنية ، يحسها في نبضات القلوب ، ويتلقفها من السنة تلهج بالأناشيد الحماسية ، والنقاشات الهادفة الحادة ، مداد يسكب يحض على رفع الرؤوس ، وأمل يتجدد ، ونظر المتطلعين يتجه بعضه صوب الشمال ، وبعضه الآخر صوب الجنوب ، إلا أن الجميع يبحث عن اسم ذلك الوطن "أرتريا " مقروناً أو مفردًا .

تلك الحيوية التي كان يعيشها الوطن بأسره انعكست على كل شباب إرتريا في تلك الحقبة، ومنهم فارسنا الشاب المفعم بالحيوية والنشاط سعيد صابر ، الذي أخذ الصرامة من والده ذلك الموظف المنضبط المتنطق بمسدسه في كامل حلته الرسمية ، الملتزم خلقاً وسلوكًا بالإسلام تديناً حقيقياً غير مغشوش ذلك هو الوالد إسماعيل صابر.

يعتبر منزل إسماعيل صابر سواء في مندفرا أو في أسمرا من البيوتات التي كانت تتسع مأوىً للطلاب الملتحقين بالمدارس النظامية من المدن الأخرى والأرياف ، فعاش سعيد في هذا الجو الاجتماعي العلمي ، يقتدي بطلاب همهم التحصيل ، يعيشون الوطن بهمومه وتطلعاته ، وهكذا ترعرع والوطن يكبر مع عقله وعاطفته. كان سعيد صابر طفلاً ذكياً ينافس مع الأوائل والمتفوقين في بلدته مندفرا ، وحتى بعد أن انتقل إلى أسمرا بسبب عمل والده واصل تفوقه في مراحله الدراسية ، وبما أن الوطن كان في حراك دائم وبخاصة العاصمة ، فإن سعيداً لم يكن ذلك الفتى المستكين الذي ينحني للريح ، بل كانت المواجهة الدائمة من أبرز سماته فهو يكره المتنمرين على الضعفاء ، والمتعالمين على الجلساء ، وهذا ما كان يعرضه إلى غضب السلطة واستجواباتها حتى قبل أن يبلغ العمر القانوني ، إلا أن ضمان الأب المحترم الذي له مكانته الاجتماعية والرسمية كانت تخفف عليه قسوة السلطة ، ولم يكن الأب إسماعيل صابر راضياً عن سلوك ابنه الثوري ، وانخراطه في تلك الفعاليات التي تعرضه لا محالة للمخاطر ، قبل إتمام دراسته ، واكتمال عوده ، وقبل معرفته لمصادر السياسة قبل مواردها ، ولكن أنَى لهذا الثوري أن يهدأ أو يقبل النصح في هذا المجال ، فقد جبل على رفض الذل والمسكنة ، ولم تكن مواجهاته مع السلطة الإثيوبية وحدها بل أيضاً مع أتباعها من شباب حزب الوحدة ، وغالباً ما كانت يده تسبق قوله في تلك الفترة ، فما أكثر الشاكين إلى الوالد من بطش سعيد ، ولم يكن أمام الوالد بعد أن بلغ السيل الزبى إلا أن يطرده من البيت.

الميت الحي

مثل هذا الشباب النابه الحيوي لم يكن ليترك لحال سبيله ، فقد أصيب بمرض شديد توقفت معه حركة جسمه من وسط ظهره إلى قدميه تماماً ، وأدخل المستشفى في أسمرا وتفاقم المرض ، وفي ليلة من ليالي الشتاء توقف قلب سعيد فجأة وبردت باقي أطراف جسمه ، فأخذه الأطباء إلى ثلاجة الموتى وبدأوا يكتبون التقرير الطبي ، ولكن ما هي إلا لحظات قليلة حتى حضر والده وهو يهدر وطلب إخراج ابنه من الثلاجة فورًا ، وبمجرد ما أخرج تحت إصرار والده لاحظ الطبيب خفقان قلب سعيد ، فدخل الجميع في ارباك لم ير مثله ، وبدأ الطبيب يباشر عملية الإنقاذ من جديد ، فقرر والده أن يأخذه إلى بلدته مغاضباً ، وإذا بأحد أصدقائه يشير عليه ويقنعه بالطب البديل ، فرضخ آملا في شفاء ابنه فباشر الرجل علاج سعيد وأكد أن هذا من فعل السحر ، ولكن سعيد لم يكن حينها يعرف الشعوذة ولا العزائم ، ولا الرقي ولا التمام ، ولا السحر ولا النفاثات في العقد ، إلا أنه بفضل الله عوفي من مرضه بعد أسابيع ، وكأنه نشط من عقاله ، وعندما عرض المعالج على إسماعيل صابر أن يخبره بمن دس السحر لأبنه ، رفض إسماعيل ذلك بشدة وقال :الحمد لله الذي البس ابني ثوب العافية فلا أريد بعد ذلك شيئاً وهؤلاء الله حسيبهم.

عزم يتحول إلى عمل

كل يوم تشرق فيه الشمس كان عزم الالتحاق بالثورة في الميدان يكبر في نفس سعيد فقرر في لحظة أن يترجم الأماني إلى حقيقة وتمثل بقول الشاعر

اذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة ** فإن فساد الرأي أن تترددا

ففي عام 1964م التحق سعيد صابر بالثورة وبدأ من تلك اليوم يناضل من أجل استرداد الحق السليب ، وبما أن سعيد كانت له قدرات كتابية باللغتين العربية والتجرينية وقوة تحليل سياسي فقد تم توجيهه إلى مكتب الإعلام ، واستمر ينافح ويبني بقلمه ولسانه دون ان ينقطع عن إخوانه حملة السلاح ، واستمر الوضع إلى أن دخلت الجبهة إلى السودان في عام 1982م ، ليختار تنظيماً وفكرًا آخر لنضاله ، دون أن تخمد جذوة الثورة في نفسه.


ثبات في المواقف

كان سعيد صابر بحكم النشأة والمعايشة قريباً من المتحدثين بالتقرينية وكانت أكثر صداقاته معهم ولذا عندما سقط حروي تلي باريو في المؤتمر الأول لجبهة التحرير الإرترية بالأصوات وكان صديقه الحميم بكى سعيد بكاء مرًا ، ولكن هذا لم يكن لينحرف به عن خط الثورة الصحيح ، وعندما انشق أسياس أفورقي دعا إلى محاورته لامحاربته، ومع أنهما قد عملا سوياً في مكتب واحد إلا أنه لم يكن ليُؤْثِره على خطه الوطني عندما اختار سبيلاً غير سبيله ، فعند سعيد المواقف يكون فيها التمايز بقربها من الخط والفضيله الثورية ، وليس بالموطن أو اللغة المحكية ، ومعلوم عن سعيد أنه لايخشى المضاغطة ولا المزاحمة ، ولا تستخفه المخالطة ولا المقارفة ، فعندما تحركت مجموعات الفالول وقد كان من بينهم له أصدقاء كثر يسرون إليه بالمودة ، لم يغير ذلك من مواقفه ركوناً أو مجاملة .

الإصلاح ديدنه

سعيد صابر لا يقبل القضايا ذات الضبابية والحال المائل ، فهو يحب أن يكون كل شيء واضحاً جلياً ، لا يقبل أن يشرعن القوم للفوضى والتسويف مهما كانت المبررات ، كما أنه لايحفل بالمناصب والرتب ، ولا يتطلع إليها ، ففي الفترة التي اشتدت فيها الخلافات بين المنطقة الأولى والثانية والوحدة الثلاثية تبنى سعيد صابر بحماسة فائقة منهج الإصلاح فكان العضو النشط والمنفعل بلجنة (حركة) الاصلاح التي كونت في عام 1968م من مجموعة من المناضلين منهم سعيد صابر ،عبد الله سليمان ، عبد القادر رمضان ، عثمان عجيب وآخرون وقد بذلت هذه اللجنة جهودًا حثيثة إلى أن توجت نضالها ومساعيها بعقد المؤتمر الأول لجبهة التحرير الإرترية .

وهي نفس القناعات التي دفعته ليكون عضو لجنة الصلح بعد الانشقاق الذي حدث في حركة الجهاد الإسلامي الإرتري في عام 1993م ، وكان الشيخ أبو صابر يتمنى لو استمر الأخوة أعضاء اللجنة في نهج إصلاح ذات البين ، ولكنه أصيب بخيبة أمل بسبب إنحياز بعض أعضاء اللجنة وتحديد مواقفهم دون العودة الى اللجنة ومناقشة الأمر معها عن كثب ، وانسحاب البعض بحثا عن موقف وسط مؤثرين السلامة ومسك العصا من المنتصف ، أو بسبب قناعة البعض بصعوبة الاستمرار بعد انغلاق الأفق حسب تقديرهم ، ومع قناعته الشخصية ومعرفته عن قرب بكل ما كان يحدث من إشكاليات داخل التنظيم ، وعلمه ببعض الجهات الخارجية التي دفعت باتجاه ضرب وحدة الحركة عبر أدوات مستغفلة أو طموحة ، الا أنه لم يلتزم بخط القيادة الشرعية الا بعد الاستيثاق ومقابلة أعداد كبيرة من الكوادر والشيوخ.

الالتحاق بالحركة الإسلامية

لم يكن سعيد صابر أمعة يتبع عالي الصوت ، أو ممن يمجد آثار الآباء دون دليل ، وليس مجوف الفكر ، فهو رجل صاحب رأي واعتقاد نابع عن فكر حر وإرادة واعية ، وهاهو يعتنق الفكر اليساري بعد قراءة ومناقشات ، مع أنه ولد في بيت دين ، وعندما تحول عن النهج اليساري الى الفكر الإسلامي لم يكن تبعاً لأحد فهو من الشخصيات التي مثلٌها "وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين " وبفهم لقول الله تعالى: { فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ } فإذا كان الخطاب هنا للرسول وهو لم يشك أبدًا ، فالسؤال والقراءة لمن شك من باب أولى. وأبو صابر التزم بعد أن تيقن عبر قراءة ناقدة في كتب الفكر لمفكرين عدة ، ولهذا فهو يمتلك مكتبة غنية بالمراجع المختلفة .

وقد كان أول تواصل للحركة الإسلامية بسعيد صابر في عام 1982م في الخرطوم ، فقد عرضت عليه ترجمة البيان الأول لمنظمة الرواد المسلين الى التجرينية ، لما عرف عنه من اتقان اللغتين العربية والتجرينية ، ولم يكن حينها على علم بوجود حركة إسلامية وإن لم يجهل وجود حراك إسلامي ، وتقبل المهمة برحابة صدر ، وتواصل الحوار معه ليلتحق بالحركة الإسلامية في عام 1984م في جدة . ومن ذلك الوقت فقد أعطاها من فكره ووقته وعقله وعواطفه فكانت بيته موقع اجتماعاتها ، ومقر لقاءاتها ومحفظة وثائقها ، وجعل حياته دعامة بنائها دون أن يغفل لحظة أو يكل عن السعي لتحرير الوطن .

الحق عنده أبلج

أبو صابر رحمه الله رحمة واسعة لايعرف النفاق ولا التلون ولا الكذب ولا التدليس ، ولا التضليل ، يستحسن الحسن ويستهجن المستهجن ، فإن آمن بفكرة حملها فوق رؤوس الأشهاد ، وبحماسة يقل نظيرها ، وإن رأى إعوجاجا في موقف أو شخص واجهه بالحقائق ، يقول أمام المرء لا من خلفه ما سمعه عنه أو لاحظه فيه من خطأ ، وعلى الأخ أن يدافع عن نفسه ، وأبو صابر عند غضبه ( كجلمود صخر حطه السيل من علِ) فاحذر منحدره ، ولكنه في ذلك يفرق بين الشخص وبين المسلك ، ينتقدك ويبقي على العلاقة والود بينكما. أبو صابر لايعرف الحقد يختلف معك حتى تكاد الأيدي تشتبك ، ولكنه لا يلبث مليا حتى يعود إليك ليعتذر لك ، عندما تراه يهيج لاتظنه يحمل قلباً رحيماً ، ولكنك إذا زرت معه مريضاً أو أخبرته بوفاة أحد المناضلين يتقرح قلبك من سماع بكائه الشجي كأنه الثكلى وليس المستأجرة . أبو صابر يكره القبلية لا ممارسة ولا دفاعاً فلا يفاخر بالنسب ولا يكاثر بالحسب ، وإنما قبيلته معتقده فهو ابن الحركة الإسلامية فإليها انحيازه ولها ولاؤه ، عاش مخلصاً لمبادئه دون أن يلوثه بعادات أثرية ، ولا عاديات دنيوية.

الصوام القوام

عرفنا الشيخ أبا صابر حريصاً على الصلاة في المسجد جماعة ، يقوم الليل في حضر وفي سفر ، ويصوم الخميس تطوعاً الا إذا وافق يوم الشك ، يتفقد إخوانه في الله يزور المريض ، ويكرم الضيف .

أم الصبر خير معين على الطريق

نحسبها والله حسيبها إمراة من أهل الجنة هذه المرأة الصامدة أم صابر وحق لنا أن نطلق عليها أم الصبر كله فقد أعانت ابو صابر في حياته كلها ، تحملت انفعالاته ونرفزاته كما تحملت ظروفه النضالية والجهادية ، فقد مر أبو صابر بظروف معيشية صعبة دون أن يرفع شكواه الا إلى الله الواحد الأحد ، فلم يكن يبالي إن كان العيش ليناً أو خشناً ، ولم يكن جزوعاً ولا هلوعاً ، وكان ثقل ذلك على أم صابر ولكنها كانت نعم السكن والمودة والرحمة فغفر الله لها ، الا أن ما يثلج الصدر وينتزع الحمد أن بنتها آمال حفظها الله تعالى كانت خير خلف لنعم السلف، أكملت المشوار بصبر وجلد مع الشيخ أبي صابر ، تحمله في أحلك الأوقات وأصعب اللحظات في حالة مرضه الأخير فجزاها الله خير الجزاء على هذ البر وهذا الحنان وهذا العطف ، وجبر الله كسرها وأبدلها في مصيبتها خيرًا . ونسأل الله لابننا صابر سعيد الهداية والسداد والتوفيق على حمل الأمانة على وجهها ، ليخلف والده في بنته وإخوانه ومحبيه وميراثه خيرًا.

ونسأل الله أن يتغمد الشيخ أبا صابر بواسع رحمته ويسكنه فسيح جناته ويبارك في عقبه.

أكتب هذا الكلمات وفاء بحق الأخوة في الله التي جمعتنا على غير أنساب بيننا وهي لاتوفي الفقيد حقه فهي نقطة في بحر فضله ومكانته وجهاده.

وإنا لله وإنا اليه راجعون