الخبير الإعلامي الشاعر/ أحمد شريف
2016/11/22

 

شكرا (حروي تدلابايرو)...... ولكن
 


رصد الشقيق /عبدالله الشريف إفادات المناضل: (حروي تدلابايرو)، تحت عنوان (المناضل/ حروي تدلا بايرو...أفكار وتصورات جديدة للعلاقات). بدءا أحيي رصده لما أدلى به المناضل، بلغه التقرنية، عن كتابه الذي كتبه باللغة الإنجليزية. الشقيق نقل إفادات الكاتب، إلى قراء العربية، دون تعليق، وهو المشهود له بتعليقاته القيمة، خاصة ما يتعلق بالشأن العام، وفق رؤيته وقناعاته، وهذا جهد مقدر هو فيه، سيما وأنَّ إفادات (حروي)، أراها واحدة من أهم الكتابات في الوقت الراهن، والتي يمكن تصنيفها ضمن الرؤى النقدية الأقرب إلى الأكاديمي.

ولم تأت أهمية التعليق حول إفادات المناضل (حروي تدلابايرو)،؛ لأنه إبن أول رئيس حكومة إرترية، وليس لكونه سليل أسرة مناضلة على حد قوله، وارستقراطية أيضا على حد متابعتنا. أسرة (حروي) وجدتْ نفسها بين أحضان وخيرات (الأمبراطور هيلي سلاسي)، الذي كان نصيب صاحب الشهادة منها، قربا من خيراته، وتفاكر الأخير حول مستقبل الشاب، وأبعد من ذلك ، فقد تعرف الأخير، على موديل لُعَب الأمراء والأميرات، ولو متأخرا وسط الأسرة الملكية،! فقد تناول الشاب أطراف الحديث مع جلالته، واستمع إلى هموم صاحب الجلالة حول مستقبله، وإصرار العقل الملكي على معرفة تطلعات الشاب، الذي توافرت أمامه معظم أدوات الراحة العقلية والنفسية وضمانات المستقبل بلا تحديات! إذ لم يأت سؤال الامبراطور ذات مرة، كما ذكر (حروي) في كتابه : " ماذا تود أن تكون في المستقبل يا(حروي)؟، لتأتي تأكيدات أن يكون طبيبا في بلاط صاحب الجلالة أثيوبيا! فهل جاء تسآؤل الامبراطور؛  عن رغبة في التأكد من ولاء الابن له، حتى يُعدُّه بعدئذٍ خليفةً لأبيه ؛ إذ ربما نجح الابن فيما فشل فيه الأب، إزاء أجندة إثيوبيا التوسعية في إرتريا؟ أم أن الإمبراطور كان يستقرئ نزعات الشاب المدلل فقط ليس إلا؟ هل فاح في بلاط صاحب الجلالة، رائحة التمرد على نطاق إثيوبيا أولا، من خلال علاقة (حروي) الطلابية بمجموعة (منقستو نواي) ، ثم تغيير وجهته الوطنية تجاه مسقط رأسه إرتريا؟ سيما وأن الامبراطور، كان قد أبعد والده عن المسرح السياسي الإرتري أولا، وتنحيته عن المشهد الإثيوبي لاحقا، عندما زج به في المنفى الدبلوماسي! في رمشة عينٍ، وجد (تدلابايرو) أول رئيس لدولة إرتريا، وقد تحول إلى سفير في إحدى الدول الأوروبية، مقدما أوراق اعتماده، المشفوعة بأختام صاحب الجلالة، فهل كانت تلك الضربة، هي التي أفاق على أنغامها وعي الابن لحال أبيه؟ وتوالت هباته الثورية بعدئذٍ، في أحضان الوطنية الأثيوبية مبتدءا ، لتتطور تلك النفرة، حتى تصبح خلال سنوات قياسية، إرترية اللحم والدم! وأيا كان الأمر، يظل (حروي) وطنيا مناضلا ، إذ يكفيه وطنية التأبط، بالنضال الحركي الطلابي أولا، ثم التحاقه بصفوف الثورة مناضلا، مهما كان شكل الالتحام، وفيا لقسَم الثورة، ليأتي اسمه مناضلا، في كل تفاصيل صيرورة الحركة النضالية والسياسية الإرترية، منذ ستينيات القرن الماضي وحتى القرن الحالي. بالتالي يستحق أن تُرفع له الأيادي، ويحتل مكانة التقدير، في تقدمته شهاداتٍ غاية في الأهمية، خاصة وأنها ظهرت إلى حد ما، خالية من فذلكات الأنا، وليِّ عصا الحقائق والوقائع. وكل ذلك يشير إلى حقائق منها، أن الرجل لا يزال مؤمنا بالمبادئ التي ناضل من أجلها، ولا يزال يتحلى بقدر كبير من الوطنية، حيث كان المناخ قد هُيأ له، حتى في أحضان الشعبية (الحكومة الإرترية المؤقتة) للاقتراب قليلا لو أراد ذلك، توظيفا لتاريخه، وأيضا خلفية والده، بشكل أو آخر، رغم سيرته النضالية، وانتمائه الجغرافي. فلو كان قد أشاح قليلا من إشارات الولاء والبراء للنظام الإرتري الذي جاء، بعد سقوط الدرق، وخفَّف أيضا من جرعة تطلعاته، خاصة طمأنة (الملك) الحالي في إرتريا، على أنه لا يرغب في لباس جلباب أبيه، بذات اللون والمسميات، يعني ليس بالضرورة، أن يصبح رئيسا لإرتريا، أزعم ربما كان قد وجد ضالته التي تشبهه تاريخا، وخبرة، ونضالا، وعلما، وأهلية، إلاَّ أن الرجل، قالها في إحدى جلسات خاصته :"موقعي الوحيد الذي يشبهني في إرتريا، أن أصبح رئيسا لهذه الدولة الفتية" أضاف "إلا أن الشعبية لن تمنحن تلك، فدونها خرق القتاد".على خلفية هذه الأحلام، ضُرب بينه وبين إرتريا كلها باب، أوله مغادرة البلاد، وآخره الإدلاء بمثل هكذا شهادات، يقدر عليها حق تقدير.

تتلخص مداخلتي في مسألتين هما:

1- موضوع اللغة.

2- حزب الرابطة الاسلامية.


أولا : في موضوع (اللغة) يقول : المناضل (حروي) " فالنتوقف عن تضييع الوقت وتبديد الجهد في ترجمة لغاتنا الوطنية لبعضنا البعض كالأجانب، علينا أن نبدأ..ومن هنا، نتحدث بإحدى اللغتين "العربية..التقرنية" وفقا لما يرى المتحدث أنها مناسبة ومريحة له، بحيث يمكن توصيل المعلومة بشكلٍ مريحٍ وسهلٍ لعددٍ لا بأس به من الحضورِ، كَوْن أن شعبنا يستطيع فهم إحدى اللغتين بنسبة لا تقل عن 60% وهذه نسبة جيدة..كبداية" ويضيف " فالتكن هذه هي بدايتنا، عَلَنَا في المستقبل نخلق جيلا جديدا يتحدث اللغتين بنسبة 100%".

مع خالص التقدير ، أقول ، لا يا سيد (حروي). الحديث بهذا الشكل عن أزمة اللغة لا يستقيم أبدا، استسهال الأمر، يعني تحليق

خارج السرب الوطني. هل تعلم سعادتك، أن مشكلة إرتريا منذ بروزها كمُستعمرة ، تكمن في موضوع اللغة؟ حيث لم تفرز لنا كل نضالنا السياسي والعسكري، الوصول إلى مفهوم مشترك بشأن اللغة. وباعتبار أن فترة الاستعمار الإيطالي، تمثل أطول مدة شهدت فيها إرتريا استقرارا إدرايا، برأيي كان بالامكان إيجاد صيغة من التوافق الجمعي بشأن اللغة، وأعني هنا اللغة الرسمية للدولة ممارسة راشدة، حتى ولو كانت لغة أجنبية، يعني اللغة الإيطالية مثلا. فهناك كثير من دول العالم خضعت لاستعمار أوروبي على وجه التحديد، نجدها اليوم متصالحة وطنيا، عبر لغة أجنبية واحدة. في إرتريا تعامل الجميع مع قضية اللغة برؤية عاطفية لا غير، فكل من سهُل له امساك رسن الوطن(نضالا ودولة)، فرض لغة بعينها، دون رؤية وطنية جامعة، وبلا فكرة اتستراتيجية تحقق تصالحا وتعايشا لغويا. على سبيل المثال، جبهة التحرير الإرترية، في بداياتها، اعتمدت في إدبياتها الثورية والنضالية وحراكها، اللغة العربية، بطريقة أقرب إلى فرضها كلغة نضال وحيدة، دون وضع أي اعتبار للأطراف الأخرى التي لا تعرف اللغة العربية، حيث كان التدريب، وإدارة علاقاتها الاقليمية والدولية إلى حدما بهذه اللغة، ورغم وجود ما يبرر هذا المنهج، وعوامل التاريخ والجغرفيا، إلا أن تلك الحالة، أفرزت لغة أخرى معاكسة وبتشنج، وظفت تلك الوضعية إثيوبيا الاستعمارية قبل وبعد، واستغلتها قوى وطنية في الاتجاه المعاكس، واستمرت الأزمة، حتى تفاقمت وولدت شعورا بالتهميش لدى البعض، واقصاء لمجموعة إثنية أصيلة في جسد الوطن، ومنذ حوالي ربع قرن، وإلى الآن، من لا يعرف لغة (التقرنية ) ليس له نصيب في أدنى وظيفة بمؤسسات الدولة الحالية، (26)عاما من الحكم، السير بلغة واحدة في بلد متعدد الأرجل، ولم تردم هوة اللغة في بلاد متعددة الأعراق والإثنيات، على العكس، هذا الواقع غير الصحيح، رسخ للتوهان اللغوي على نطاق البلاد، والذي يعني نُذُر ضياع وطن بكامله! شعار"كل اللغات متساوية" التي يردده شعار الحكم، أثبت فشله عمليا، إذ لا يمكن التعايش في وطن، لم تحدد فيه بمسؤولية، لغة دولته الرسمية، فضلا عن تحقيق نهضة تنموية شاملة.سيظل الوطن في موضع تنازع مستمر! وكلما خَلفَتْ أمةٌ، لعنت لغةَ قوميةٍ أخرى، وهكذا حتى يأتي وعدُ ربنا حقا. هذه كارثة وطنية مجلجلة، أخشى أن تولد حروبا، وإبادة، لغوية، ما يعني في النهاية الحكم بالاعدام على الإنسان، والمأساة الكبرى أن المجتمع الإرتري، يعج بلغت تسع، كل يرى أن لغته أفضل من أختها، بالتالي شخصيا أرى، لابد من تحديد لغة واحدة، غير لغاتنا الحالية؛ لأننا وصلنا مع الأسف، مرحلة عدم تقبل أي لغة، فكل قومية بمالديها من لغة فرحة، بالتالي هي كافرة بالأخرى. اعتماد لغة أجنبيةعلى سبيل المثال (اللغة الانجليزية)، أحسب أنها ستخلصنا من تراكماتنا التاريخية المزمنة إزاء اللغة، بالتالي ستقضي ولو بعد حين، على افرازات هيمنة لغة واحدة، على حساب اللغات الإرترية الأخرى. وبغير ذلك، سنظل ندور في سياسة اقصاء المُهَيمِن على المُهَيمَنِ عليه، وهكذا دواليك. أقولها بصراحة ولأول مرة وبوضوح، هذه واحدة من المراجعات الشاملة التي أدعو إليها بالحاح. أما أن نترك المسألة على رأي صاحبنا (حروي)، كل يتحدث باللغة التي يريدها، بغير تصالح وطني، هذه الوضعية ستكرس لذات الثقافة السائدة الآن، حيث تحتاج اللغات الأخرى، للحاق بلابيب لغة التجرينية، إلى سنوات فلكية، حتى تكون لغة عمل وممارسة، فضلا أن تكون لغة تقوى على مدافعة واقعها وتحدياتها. ثانيا : المناضل ( حروي) أدلى برأيه في (جمعية حب الوطن) و(حزب الرابطة الاسلامية) مفاده أن: (جمعية حب الوطن) و(الرابطة الإسلامية) وغيرها من الحركات في ذلك الوقت، مع تقديري لها ولأصحابها لم تكن حركات وطنية قومية بالمعنى الدقيق للكلمة، أولاً أنها لم تثر ضد المستعمر بمفهوم الثورة "ثورة ضد الإحتلال". ثانيا لم تطالب بالإستقلال الكامل للبلاد وخروج المستعمر من إريتريا المتعارف عليها جغرافيا وسياسيا اليوم. المسميات وحسن النوايا وحدها لا تكفي، علينا أن نبحث أولا لنجد ما يؤكد أو حتى يشير إلى معتقلين سياسيين، أو قتلى وشهداء لتلك الحركات حتى نقول عنها حركات وطنية قومية! أنا فهمي هو العمل السياسي الوطني القومي، الذي نادى بالإستقلال الكامل للبلاد بدأ مع ميلاد حركة تحرير إريتريا وما بعدها من كفاح مسلح".

هذا مقتطف لما أدلى به (حروي) في تصريحاته الأخيرة.ورغم أن حديثه في هذا الموضوع محل رأي من الناحية النظرية، إلاَّ أن نفيه وطنية تلك الأحزاب، خاصة (حزب الرابطة الاسلامية)، بعيدا عن المنطق. صحيح لم تكن تلك الأحزاب، قومية بالمعنى السياسي الشامل، إلا أنها كانت وطنية، خاصة إذا ما استصحبنا الظروف والأوضاع الاقليمية والدولية التي برز فيها الحراك الوطني. (الرابطة الاسلامية) بدأت وانتهت وطنية، رغم افتقادها البعد القومي بالمعنى الشامل، حيث طغى عليها الانتماء الجغرافي والقبلي والعقدي، أكثر من الرؤية القومية. وخير مثال على ذلك الملاسنات التي وقعت بين السيدين (تدلابايرو) و( ولدآب ولدي ماريام) في (اجتماع بيت قرقيس) وما جرى في ذات الاجتماع، بين السيد (إبراهيم سلطان) وأحد الحضور الذي انتمى مؤخرا إلى (حزب الأندنت)، وخروج (سلطان) مغاضبا، ليضع مسودة تأسيس حزب الرابطة الاسلامية، وعلى النقيض من ذلك تنبنى فئة دينية بكاملها، فكرة الوحدة مع إثيوبيا وبإصرار مقيت، هذا الواقع لخص سيطرة الانتماء الإثني والمناطقي والعقدي، بدلا عن المفهوم القومي الوطني الشامل. ورغم ذلك، فقد حاول (حروي)، ليْ عنق عنق حقائق التاريخ، بوصفه كل الأحزاب بعدم وطنيتها. فالكتلة الاستقلالية بزعامة (حزب الرابطة الاسلامية) ظلت رافعة شعار "الاستقلال الكامل" حتى وقعت على وجهها وقلبها، أسنة رماح الوحدة المزعومة. ولو لم تك تحركات بعض الأحزاب وطنية، على رأسها(حزب الرابطة الاسلامية)، رغم التصدعات التي برزت بين الحين والآخر داخله، ما كانت أثيوبيا بحاجة إلى كل تلك السنوات حتى تمرر أجندتها التوسعية. محاولة (حروي) وضع كل الأحزاب في سلة واحدة وطنيا، هو تزوير للتاريخ لا غير. فالحقيقة الدامغة، أحزاب قدمت شهداء، وناضلت بكل ما أوتيت من قوة ذلك الزمن، ومن يشكك في ذلك، أدعوه إلى قراءة أحداث الأحد عشر سنة 1941- 1952، قراءة متأنية، ليجد أحزابا إرترية أخرى، وقفت بالمرصاد أمام الفعل والحراك الوطني، بل مهدت الطريق الأخضر لإثيوبيا، وكانت ذراعها اليمنى عمليا، في تنفيذ أجندتها التوسعية، مستخدمة أدوات القتل والتصفية والتمييز للأسف.

أتفق مع (حروي ) في عدم وجود رؤية قومية شاملة لتلك الأحزاب، بما فيها، (حزب الرابطة الاسلامية). وبكلمة فإن الرؤية القومية للأحزاب في إرتريا، مفقودة منذ فجر الميلاد، وحتى تأريخه (حكومة ومعارضة).

إفادات المناضل(حروي) (كتابه)، جدير بالتحليل أكثر.