بقلم / محمد رمضان

كاتب أرترى
Abuhusam55@yahoo.com
27/07/2016

 

قراءة فى كتاب مناضل أرترى ...

(1)

أرتريا كانت ولاتزال أرضاً للبُطولات ومهداً للجسارة والتضحيات وثورتها كانت مصنعاً للرجُولة والرجال ، وأن مسيرة التحرّر فيها كانت ملحمة سطر فيها شباب أرتريا مواقف خالدة كانت عُنواناً للتضحية والتفانى والإخلاص سُجلت بمداداٍ من الدموع والدماء! وكُلفة البداية للثورة كانت باهظة ومخاطرها كانت عالية لَكِن ثُلة كانت خياراً من خيار ثَبَتَوا رغم التعذيب وأعواد المشانق والسُجون فمالانَتْ لهم قناة ولاضُعفت لهم عَزيمة كانوا كالطّود الشَامِخ رسُوخاً ، مقالى اليوم عن أحد أُولئِكَ الرجال الذين ألتحقوا بالثورة فى بواكيرها فكانوا نواةً للعمل النضالى والفدائي وأحد قياداتها التى تقلَّدَت مواقع مُختلفة فى الثورة والدولة ، ولم يكتفى بالنضال ومَشاقِه والتضحية وفاتورتها فقط بل تَجَشَّمَ عناء التوثيق لتلك الملاحم فى كتاب لتوريثها للأجيال! فموضوع مقالى اليوم هوتسليط الضوء على كتاب (مذكرات مناضل أرترى ) لمؤلفه الأستاذ/ على محمد صالح شوم المناضل والدبلوماسى الأرترى السابق فمعاً لثنايا الكتاب .

 (2)

المؤلف كان ضمن الطليعة الأولى للعمل التحررى الأرترى فى مدينة كرن حيث النشأة والتربية وقد كان عضواً نشطاً وفعالاً فى حركة تحرير أرتريا ومن ثم عضواً فى خلايا جبهة التحرير الأرترية ، كان ومعه أخرون النَواة الأولى لدعم الثورة من داخل المدن الأرترية حيث كانوا ينتظِمون فى شّكل خلايا مُتصلة تُنسق فيما بينها وبقية المُدن الأخرى لدعم تحركات الثوار وبعد مُطارداتٍ وسجنٍ وتعذيب إلتحق المؤلف إلى صُفوف الثورة جُندياً حتى أصبحَ قائداً ومُمثلاً لمكتب العلاقات الخارجية لجبهة التحرير الأرترية  فى عدداٍ من الدول العربية وبعد إستقلال أرتريا عمل مُستشاراً للسفارة الأرترية بدولة الأمارات العربية ومديراً لشؤون الشام بوزارة الخارجية الأرترية .

 (3)

الكتاب ذات قيمة كبيرة لأنه وثَق لأحداث الثورة مُنْذُ بِدَاياتها، ومحتوياته مُتميزة حيث العمل السرى فى المُدن وكيفية التواصل بين الخلايا فى المدن الأرترية المختلفة لإنجاز المهام الثورية المطلوبة من قيادة الثورة ، ومُساعدة الراغبين من الشباب للإلتحاق بالثورة ، يعكس الكتاب أيضا حجم التضحية والإقدام من المواطنين المُناصرين للثورة رغم المخاطر والصِعاب، كما يلقي الكتاب الضوء على العمليات الفدائية النَّوعيَّة التى تمت وكيفية الترتيب والإعداد والتخطيط لها من داخل المدن ، إضافة لما سبق يَسرُد الكتاب العلاقات الخارجية للثورة وتطوّرها وكيفية الحُصول على الدعم من الدول الشقيقة والصديقة والشعوب، ثم يقوم المؤلف بالوقوف على الصُراعات الداخلية التى أصبحت أحد أهم أسباب خروج جبهة التحرير من المسرح السياسى ويشرح فى الكتاب جُهود الإصلاح من الأشقاء العرب والمُصلحين من أبناء أرتريا كل ذلك وأكثر تَضَمُّنه الكتاب فى ثوبٍ قشيب وبسيط وتصميمٍ رائع ممتاز، وصفحاتٍ معقولة العدد( 308) صـــفحة تستطيع متابعة قراءة الكتاب بنهم دون كَلَل! حيث الفصُول غير محشوة بالكلمات ولا تكرار فيها للأحداث فالكتاب ذات الفصول الخمسة كل فصلٍ مُختلف فى تناوله، فى ترابطٍ متناغمِ وسلس، مع مُلحق توثيقى فى نهاية الكتاب ، اِزْدَانَ الكتاب بمُقدمة للأديب الأرترى أحمد عمر الشيخ كانت رفيعة المُفردة ، جميلة السبك ، كُتبت بريشة أديبٍ ماهر يُطوع الكلمة لتخرج فى قالبِ شيقٍ ماتع ، دعا فيها الأديب للتخلى عن إرث

الشفاهة وتعزيز الكتابة لتكون جسراً ناقلاً للأجيال ليصل تاريخنا النضالى إلى فضاءات المِداد الخالد ! الكتاب بصفة عامة موضوعى فى مادته مُنصفُ فى تناوله وتقييمه للأحداث التاريخية .

 (4)

لَكِن ثُمّة مُلاحَظات حول المؤلفات الأرترية بصفةٍ عامة والتى تتعلق بكتابة التاريخ النضالى والمُذكرات على وجه الخصوص وهى ملاحظات لِجَهة تجويد مؤلفاتنا من الكتب لترفد المكتبة الأرترية بكتبٍ قيّمة وشيقة فى نفس الوقت، وإليكم بعضها المُلاحظة الأولى : إستخدام اللغة الدبلوماسية أثناء التناول لبعض الأحداث خاصة المختلف حولها تاريخياً وعدم التطرق لأسبابها وظروفها وبما أن الكتابة هى شهادة على عصر فعلى المؤلف الإبتعاد عن اللغة الدبلوماسية الملساء ويجب تمليك القارىء التفاصيل المُهمة للحدث كماهي، الملاحظة الثانية: هنالك بعض الأحداث البطولية التى كانت مسار تَحَوُّل ٍ نوعى لا تجد تناولها بذات أهميتها كحدث كان له أثر فى العملية النضالية ضد المستعمر أوعدم تناولها بالتوسع الذى تستحق فمراعاة ترتيب الأحداث مُهمة فى كتابة التوثيق للثورة حسب أوزانها وتأثيرها، الملاحظة الثالثة: هى سرد الأحداث بالطريقة المجرّدة للمسيرة النضالية وأحداثها ففى تقديرى تناول الأحداث فى قالب أدبى وبتصويرٍ بليغ مهمُ جداً فى التوثيق لأحداث التاريخ فالتناول فى قَالَبٍ فنّيّ للأحداث أكثر تأثيراً فى النفس البشرية وأعمقها مُكوثاً فى دواخِلنا وحينما تكون لأجيال قادمة تجعلهم أكثر إرتباطاً وتعلقاً وحباً لذلك التاريخ الماجد إيرادى للملاحظات ليست من باب التقليل للكتابات ولكن نريد مُنتوجاً توثيقياً بمسحةٍ أدبية يمكن أن يتحول إلى عملٍ فنى يُستفاد منه فى أكثر من مجال فيكون التوثيق مصدر إبداع أخر.

(5)

الشَفَاهة قاتلة لرواية أحداث التاريخ وإن إجتهاد المناضلين لتوثيق تلك المرحلة جُهد يتطلب الشُّكْرُ الجَزيل ، وفى خاتمة هذه الإطلالة نشكر الإستاذ على محمد صالح شوم لإتاحته لى وللقراء فُرصة الإبحار فى كتابه القَيِم لنَنَهلْ منه نبع التاريخ ونَبضْ الحاضر ورؤية المستقبل وكتابه مذكرات مناضل أرترى إضافة قيّمة للمكتبة الأرترية ونُفيد القارىء الكريم بأن للمؤلف كتابُ جديد بعنوان :(الذاكرة والتاريخ) تم تَدْشِينه فى لِقَاء مفتوح بلندن بتاريخ 22 مايو من العام الجارى وهو كَسَبُ معرفي جديد ولأهميته يجب على كل مواطن أرترى أو متابع إمتلاكه !