صالح كرار 12/8/2016م salehkarrar@Gmail.com
 


نقاش
 


تعج الساحة الإرترية بأمراض فتَاكة وأفكار عجيبة وهواجس وخيمة وفتن وإبتلاءات مخيفة ، والمصيبة ليس في الأمراض فحسب وإنما في الخلاف في علاجها و في تشخيص أعراضها والخلاف في توصيفها ، والخلاف هنا نوعان خلاف في تشعب البحث العلمي والموضوعي وهو خلاف عملي طبيعي او خلاف عرضي منطقي جدلي وصوري وهو خلاف عقيم جعجعة بلا طحين لا فائدة ترجى من ورائه ، كأنما ينادُون أو ينادون من بعيد لا يسمعون ولا يُسمعون .


هذه صورة إجمالية للأسف الشديد لتوصيف نقاشنا ، بل وهناك صور أسوء من الأحكام الجاهزة والتعالي والإزدراء والتخوين والتجهيل والتبهيت وإعجاب كل ذي رأيٍ برأيه ...

أعني نقاشنا لا يحدد مساحة للإلتقاء والأخذ والرد وإنما يذهب في منحي صريح مدلوله من رضي فاليرضى وإلا فاليذهب الي الجحيم .

كل ما لدينا من الأمراض يوجد في كل بلد علي الإطلاق ، لكن لغة التفاهم بين أبناء كل بلد وجديتّهم في تجاوز الخلاف هي التي تحدد موقع بلدهم في سلم الإستقرار السياسي والإقتصادي وبسط الحريات والتطور الإجتماعي والتقني أو التنموي وغيره .

لقد كتب الله العدل في كل شئ والعدل في القول من أهمها وأخطرها ، فهو روح كل عمل مبارك وهو مثل الكهرباء يبث الحيوية والديناميكية في نقاشنا وحواراتنا ، ومع العدل في القول تزول كل أمراض النقاش السلبي ويحترم الناس أراء بعضهم ويحفظون لكل مكانته العلمية والإجتماعية علي عكس غليظ الكلام وحاد الألفاظ فهي صفات يجب أن نتواصى منها في كل الأحوال وخاصة حين نخوض في الشأن العام .

مناسبة هذا المقال كنت قد قرأت في الأيام القليلة الماضية بعض المقالات التي تناقش الشأن الإرتري العام وهي مقالات مهما أختلف معها جميلة جدا ورائعة لأنها تعرض القضايا كما يراها الكاتب ، مثل ما فهمت من أحدها أن المعارضة لاتصلح حسب رأي الكاتب دون أن يعطينا بدائل أو مقترحات لإصلاحها . فهل ضعف المعارضة او تشرذمها يبرر لنبحث في غيرها او نستسلم للارهاب العنصري الحاكم أم نعمل ونجدّ لنوجد الحلول لمشاكلنا ونصحح الأخطاء ونطور ما لدينا ونرتقي به عبر التداول المسئول الي مستوى الطموح أليس هذا هو العزم الذي نحتاجه والجدّية التي تلمزنا ، إن اليأس هو الذي يجعلنا لا نرى النور الذي نأمل الوصول اليه وهو الإنهزام الحق والموت الذي لا رجعة منه ، وفيما يؤثر عن نبينا عليه أفضل الصلاة وأكمل التسليم " من قال هلك الناس فهو أهلكهم " فالنحذر التشائم والنشيَد الآمال الخيرة والنتواصى بالفأل الحسن .

إن ساحة الصراع السلمي والعمل الجاد والمسير الشاق سيغربل حشود التنظيمات التي تعج بها ساحة المعارضة وسيبقى العمل المؤسس ومن شاء الله له البقاء ، وستزيل الأمطار والرياح الرواكيب الهشة لتتلاشى كما كان من قبل الكثير والكثير .

في إعتقادي إن طرح كل منا أفكاره وآرائه بصراحة وتجرد وبقصد المساهمة في إيجاد الحلول المشتركة للإشكالات الوطنية ، سيكون للنقاش دور في حل الكثير من إشكالاتنا ، فالصمت والتهرب من إشكالات النقاش السلبي يؤدي الي تراكم أزمات الواقع المأزوم ، وبالتداول لقضايانا بالنقاش البناء تأتلف الآراء والأفكار وتتجسد من ثم في ميادين العمل ، فحتى بين منتسبي التنظيم الواحد الإجتماعات والمؤتمرات والتنويرات وغير ذلك من ندوات وسيمنارات هي التي توحد الآراء وتبلور وترسخ المفاهيم المشتركة .

كم نفرح ونعجب حين نجد من يحدثنا في مجتمع شحيحة فيه الكتابة عن تجربته وسيرة العمل الذي كان جزءً فاعلا فيه خاصة من "هاجري" الجبهة الشعبية في مرحلتي الثورة أو الدولة لأنهم يملكوننا حقائق عملية عن المؤامرة التي أصبحنا جميعا من ضحاياها وأصبح وطننا الضحية الأولى ، بينما كانو هم في غفلة قد ترفع عنهم الحرج واللوم ، ونحن كنا علي وعي تام ونرى ونسمع ونقاوم قدر مستطاعنا حتى غلبنا التيار المعادي المسنود من الخارج ، لأننا كنا شراذم فكرية وتنظيمية ربما أسوء مما نحن عليه اليوم ولا يعني هذا النهي أو التواصي بعدم نقاشهم فالأفكار مثل الصور ربما قد تعرض علينا جوانب لم نكن لنراها أو نتصورها .

إن الذين ينظرون الي الواقع من البروج العالية وينظرون بمنظار مخملي لا يميزون بين ساحات الحوار وساحات الصراع الأخرى ، وتجد آراهم ينازع بعضها بعضا ، وربما تضمنت طلاسم لا يعرفها الناس ولم يسمعوا بها وتصنيفات تنبئ أو تعكس مكنونات مبهمة غريبة تنازع ظاهر قولهم هذا دون حصر كظاهرة عامة وأحوال مشاهدة .

فبعض الكتاب المسيحيين يحدثوننا عن مجتمع مسيحي صرف لا محل لنا فيه من الإعراب ويتحدثون وكأن إرتريا خالصة للنظام الآن وهي ستكون خالصة لهم في المستقبل لا يعلمون أن النظام يعيش علي هامش الحياة هناك وأن الهوة بين السلطة والشعب واسعة جدا لأنها علاقة سجين ومسجون وإرهاب فرعوني بغيض ، وهؤلاء سيصحون من سكرتهم إذا تبلورت لهم الحقائق وتأكد لهم التفاصل بين الأحلام الشيطانية والواقع الراسخ المستقر علي وعي الناس بحقوقهم وإستعدادهم للتضحية من أجلها إذا لزم الأمر ، وإذا تبين لهم أن من أشد المقاومة الشعبية هجر النظام وعزله فهو الجفاف والتصحر الذي يجعل منه شجرة بلا جذر أو علي الهاوية وبناءً بلا أساس .

نحن لم نوجد الطائفية كمسلمين ولم نعمل بها ضحضا أو تصنيفا للآخرين وإن وجدت منظات إسلامية سياسية أو إجتماعية ، ثم هل إختصر خطاب وصف النظام القائم في توصيفه بالطائفية علي الإسلاميين ؟ أم إختصر خطاب المجتمع حال تصنيفه إسلام ومسيحية علي فئة دون أخرى فهاهم يكتبون "لن فترق ...." ، الحق أننا مهما تمنينا لا يمكن أن نزيل الواقع الموجود بجرت قلم ولا يضر شئ أو يغيرحقيقته إن حكمنا عليه بما نحلم أو نتمنى ، وسنبقى شعبين مسلم ومسيحي شئنا أم أبينا لكنا علينا أن نبحث عن لغة تفاهم بيننا نأصّل بها روح التعايش المتوارثة في شعبنا ونؤلف بها عرفا جديدا نضيفه الي ذلك الموروث عبر الحوار والتوافق نبنيه عبر الزمن ومن خلال نضوج تجاربنا حتى نحترم خصائص بعضنا ونراعي الحقوق للجميع ، إذا ترسخت هذه المعاني وهي تحتاج للتفعيل والطرق الكثير فإن دولاب السياسة الدوار سيبنى علي قواعد راسخة تؤثر فيه وتوجهه ولا يستطيع تطويعها لتكتيكاته وأهدافه الجانبية كما هو حاصل .

هذه المدينة الفاضلة لا نملك لغة أخرى لتوصيفها في ساحة الحوار وهو حلم نستشرفه في آفاق المستقبل ونبنيه ونقرَه علي ما نرى من وحدة الشعب الإرتري كله علي ثوابته .

إن الإختلاف في تعريف الصراع الموجود الآن في هل أنه صراع طائفي ديني ؟ أم هو سياسي وإقتصادي ؟ هذا الإختلاف طبيعي وعادي لأن الأمر يحتمل كل التعريفات بسبب شمولية الظلم لذلك لا يجب أن نجعل من ذلك نقطة ضعف لأحد ، فإذا كان عند البعض مجرد صراع سياسي وإقتصادي وهوحقيقة لا يتعدى ذلك عندهم ، فهو عند الآخرين صراع يستهدف الخريطة الدينية والثقافية والديمغرافية فهو صراع مصيري والدين حبل النزاع فيه .

إن لغة القوة وسجال السياسة أمر نتركه لأهله من القادة السياسيين ودون أن نتسرع في الحكم عليهم فنحن نعلم ما يواجهونه من تحديات ويصارعونه من مثبطات وما يصطدمون به من إختلافات بينهم نتيجة ما ترسب وران عبر أزمان مسيرة شعبنا ، فنحن في ساحة الحوار والنقاش لا نأتي إلي سوحهم من باب الوصاية والتنظير والإملاء عليهم ، وإنما من باب العون في التأليف بين الناس وترطيب ما أشعلته السياسة وأحمت ، ومن باب الدروشة إذا دلت علي النصح والتطاوع والتواصي بالخير .

يجب أن نناقش قضايانا بصدور رحبة وتتسع أكثر للتصحيح والنقد مهما كان ، كما يجب أن نقول الحسنى وما يؤلف القلوب ، فالتناكر والتباغض لا دين فيه ولا دنيا " فالأرواح جنود مجندة ما تناكر منها اختلف "والخلاف شر ، وليس علينا في أن لا يكترث الناس أو يبالوولا يبالو ويهتمو عينا قول الحق وما نرى واجب علينا قوله .

والله نسأل أن يؤلف القلوب ويصلح ذات البين إنه ولي ذلك والقادر عليه .


صالح كرار 12/8/2016م salehkarrar@Gmail.com