كتب: أحمد شريف

24/12/2016م

 

 


وأنزوى الانسان.... بابكر عوض الكريم
 


والعامُ بيننا، يلملمُ أطرافَ أيامهِ والساعات؛ لِيدقَّ مِتراسا جديدًا على أعمدة الزمنِ التي حالَ عليها الحولُ، إذْ بنا نُرمى بسهمٍ فاتكٍ، فتُدمَى أرضُ فؤادٍ تمترسَ بين الجمالِ والحياة. أصابَنا في مقتلٍ، وانهارتْ على أشلائهِ، دولةُ الشعرِ، وهيبةُ البحثِ، وسمُّو التربيةِ، وبديعُ التراثِ، وسِفرُ الآثار! إنه الفقدُ الجَللُ، رحيلُ رَبَابةِ الشِّعرِ، وأيقونةُ العزفِ المُغرِّد، الأستاذ الشاعر الإنسان/ بابكر عوض الكريم.

لعمرُك ما الرَّزيةُ فقدُ مالٍ – ولا شياهٌ تموتُ ولا بعيرُ

ولكنَّ الرَّزيةَ فقدُ شخصٍ – يموتُ بموتِه خَلقٌ كثيرُ


ما أقساهُ من فقدٍ، رحلتْ معه ينابيعُ العطاء، وربيعُ العمر، لِتكفهرَّ بعده، وجوهُ الحسانِ وهجعةُ النوارس، وتنوحُ من هول المُصاب، الأقمارُ والنجومُ، الآنَ كلُّها تنعِي حبيبا قد توارى، يا عذارى هل رأيتن صفاء قد توارى!! فقدٌ وما أدراكَ ما فقد! ذرفتْ على قبره، جداولُ النغمِ الرَّقراق، ما أشقاهُ عالمًا، يموتُ فيه بطلُ الكلمةِ العِذاب، وملكُ الرؤى، وسفيرُ الخيال، وشيخُ الكرم، البحرُ المتلاطم! رحل قبل أن يودَّع جمهورَ دولته ومحبِّيه!! نُقل على أيكةٍ حدباءَ، محمولاً على أفئدةٍ، حُمل كالملاكِ الطاهر. يَرحلُ مأسوفًا على وداعِه الذي، لم يُمهلنا حتَّى نكحلَ أسماعَنا والعيونَ من رحيقِه، رؤيةُ الوداعِ التي لم يندمل أوارُها. رحلَ وفي فؤادهِ شيءٌ من حتَّى، يرحلُ كالنسيمِ، يرحل ويعيشُ حاسدُه الخَصيُّ الأوكَعُ! "دنيا لا يملكها مَن يملكها، أغنى أهلوها سادتها الفقراء" فقراءٌ هُمُ الشعراء الخَنازِيز. فمثلكَ يا شاعرَ

الحراز، وقد تأبطتَ حبَّ المكان الأول، وأنتَ في ميعةِ الوظائفِ، وتلافيفِ الأموالِ هنا وهناكَ، لا يرحل بهذا الألم! لم تطوقْكَ عُقَدُ الانتماءِ، كنتَ وفيًّا للمكان الذي استزرعتَ منهُ، حبَّ الخيرِ والصلاحِ للخلق أجمعين. غاصَ في هيجانِ حبِّه حتى الغرق، كانَ نبيًّا في المكان الذي نشأ فيه، وللمكان الذي تربَّى فيه كان رسولا.

سرى مُحلاًّ بالأزاهرِ والرياحين، مُترعًا بكأسِ الفخارِ بين أسمرا والخرطوم دونما تضاد! مشى كما الغمامِ، مرفوع الرأسِ وضَّاح المُحيا، يفاخر المدى كلَّ الورى، عاش يتبخترُ زهوًا وعشقًا، في ضفاف النيلِ، وعلى أحضانِ أسمرا الجميلة، تمضمضَ فيئَ ظِلِّه، ودوحِه الذي أحبْ. يجيئُ حبَّه كأنَّه الرضيعُ، موسِمًا ومِشْعلا، تعلوهُ بسمةٌ، كأنَّها الخلودُ دونَما وهَن. يا عندليبَ الفجرِ والشمسِ التي لا تغيب!

بابكر عوض الكريم، كيف أعلنتَ الغياب؟ و"أرْوَى" لم يزلْ في انتظار أن يروَى من دنَّكَ المشبوب، ونهرِكَ الطروب! يا حزمةً من الصفاءِ والكرم، أدمنتَنا الكلامَ الحلوَ، عندما نلوكُ يومَنا به؛ كأنَّه الطعامَ والهواءَ والشراب!! الآن سيدي توقف النشيدُ، كلُّ شيء ساكنٌ، كأنَّه رحل، إلى مكانه الصحيح. فهذي "أم حجر" تنوحُ من وريدها، إلى وريد "أسمرا" وزفرةُ "الخرطومِ" هل تسلْ، عن نجمها الذي أفل؟ يا شاعرَ الحراز كيف هانَ الطلُّ، أن نقولَ للدنا، هناكَ فيلقٌ من الحياة، حزمةٌ من السنا، وجنةٌ من الجمالِ، أعلنتْ ذبولَها، على مشارق الشموسِ والغروبْ!!

فلا السمندلُ الوريفُ بعد الآنَ، يعزفُ الوترْ، ولا الكمانُ في مسارح الوجودِ، يُرقِصُ الأرواحَ من أعماقِها! عليكَ يا زمانَ البينِ أن تقفْ، على قبر الذي هَوَى، لتقرأَ الفواتحَ الخواتمَ، في جِنانِ الخُلدِ يا ذُرَى. إذْ كيف يستقيمُ الظلُّ أن نرى، هناكَ خيمةً يُراد نصبُها، على فؤادِنا المجروحِ قدْ رحلْ!! فمثلكَ الذي رأهُ خالقُ الورى، بأنْ تكونَ في جوارِه، إلى رحابِ الخلدِ هانِئًا، هناكَ بينَ مَن نثرتَهم في شعركِ الرَّصينْ، مُهَجًا من الإيمانِ والوفا، لِسيِّدي الرسولْ، وصحبِه الكرامْ، أراكَ بينَهُم، كما أريْتنَا أفضالَهم، وأنتَ بينمَا تُنقِّب الوصالَ بينَ صحبِه العِظامْ، وبينهُم سيدُنا، وهديُنا محمدُ الأمين، وخُلُقه القويمْ.

الكلُّ لا يقولُ غيرَ، ما يرضِي الإلهُ الحقْ، فكلُّنا إليه راجعون، فالقوةُ الحقيقةُ إليه وحدَه، فهو الذي يظلُّ باقيًا، والكلُّ في مسارِهِ، يمارسُ الرَّحيلْ.

يا راحلاً وقد رثاهُ الخلقُ مِن هنا إلى هناكْ، فجيعةٌ أنا أقرأَ الرحيلْ، على أسماعِ مَن يقولُ، يا فيْئنَا وعزَّنا وفيضَنا الكبيرْ، يا أكرمَ الذينَ قد عرفتُهم، كيفَ الحياةَ دونما جمال! وكيفما وحيثما وأينما، تلفَّت الإنسانُ، بعد أن رحلْ، أميرُ دولةِ القريضِ والرؤى، أن يأتيَ القريضُ والكمانُ بعد الآن؟ يا مشرِقًا من الصفاءِ والعطا، ومغرِبًا تجولُ في رحابِه الشموسُ والزمنْ، يا شعرُ قد ضيَّعتَ صحبَك الكريمْ. يا نهرُ خبِّر الذين في الرصيفِ، وفي انتظار أن يَرُوا شروقَهم، وشيخُ الشعرِ والفنونِ قد رحل!

وحظُّنا الموتودُ في القدرْ! حينَ موسقَ الجمالُ، لحنه إذْ قال "لا تودعني وسافر" قد قلتَها وأنتَ في سُرادِق الحياة، فكيف أنْ تسافرْ، دونما وداع!! مَن قال إن الموتَ رحلةٌ بِلا متاع؟ وضمةٌ بلا وجعْ؟ "أحمد" حكى بأنَّ الرحلةَ الأولى إلى عوالمَ، لم تعرفِ الشهيقَ والسنا، هيَّ زاددُه البقاءُ بيننا؛ لأنكَ الشهودُ باقيًا، على أعرافِ من تحلَّقُوا رحابَك النَّدي، وشعرُ نهركَ الذي تشرفتْ أسماعُنا به، على مر الزمن! ستبقَى عزُّنا، وأنتَ بيننا، تموسقُ الحياةَ من جديدْ.

ورغم ذاكَ يا شفيفْ، فقد تركتنا هيمَى بلا متاع. نحن جوعَى إلى ألحانِك التي، تملأ الأرواح روحَها وفيئَها والمُقاما. يا زمن الفجيع، أما أبقيتَ حرفًا للشفاء، نستظلُّ بهِ من طعنةِ الوسيم؟ فما نحن إلاَّ جمانةً من رحيقٍ، زِنته أنتَ، مختوما بعسجد الرحيل، تناثرتْ عن أيادينا الأقاحي، لتلفظَ أنفاسَها المعطرةِ بالغبارِ والقرنفل. فلن ولم نر بعد الآن حرفا، وقد تناثرتْ أقداحُه، بينَ التخوم، تسَّامقت خطاه مثل حرفك! يا وهجَ التمرد والتفردِ، في زمنٍ تصعْلكتْ فيه الحروفُ، حتى في دهاليز النِّفاق المموسقِ، والوفاء المذموم. بابكر الإنسان الراحل، كنتَ وستظلُّ، معجزةً في مُتونِ الشِّعرِ الأصيلْ، تناثرتْ على أشلائها، خيزرانةٌ من التَّخندقِ في أسوارَ مدينةٍ، قيل عنها إنها "الحياة"!!! تباعدتْ عنَّا القُبَل، وضاعتْ بيننا أجنحةُ المسافاتْ، منذ أن جئناكَ صغارا، فكنتَ الكبيرُ بينَنا، لم تغيْركَ الوسامةُ والرصانةْ، نَلتَفُّ حولكَ ذاتَ اليمينِ وذات الشمالِ وبين الأمام، نجدكَ وقد زانكَ الحضورُ والفرحُ الكريمْ. تركتَنا في نارٍ نتلظَّى من فجيعتِنا فيكَ يا شرفَ النَّيلِ، وشموخَ بركا القاش الأشم!!! كيف لا نهوى الملامةْ "يازمنْ وقِّفْ شوية" زدني حرفا أيها الراحلْ، نحن نأتيك العشيةْ، هبْ لنا وصلا قليلا، نُفدِّيكَ من أشواقِنا، ما لم تره في دنياواتك الكثيرة، حبًّا بحبٍّ، ووفاءً بعناقْ. من وريدنا ننسج الشطآنَ شعرا، فتتفرهدْ أيها الباقي حد التماهي، لنكون نحن بين الجنونِ والفنون.

تعسا لنا عندما، نتوقف لنقرأ عليك آيةَ الوداع، فأنتَ حرفُ الوفاء والبقاء والجمال، يا مفردةً غناها الحداةُ في أعمارنا، تسابقتْ؛ لترتوي وتلبس الفخارْ، كن كما كنتَ متمردًا بين الرحيل والبقاء!! بين الشيء واللاشيء، بابكر عوض الكريم أيها الألقْ!

أولستَ من هفى ذات مساء: ( للشوق اختلاج البوح وللأمكنة عطر الإلفة، ولكم التقاء الزمان والمكان الحميمي، أيها الوضيئون كشعاع صبح مطير، ولنا المراوحة بين جمر الفراق ولهب اللقيا فمرحة بأوتار الحنين، تشد ذاكرة الصمت الحفي، وتنثر عبق المسافات التي لاتلد، إلاَّ أحرفا يانعة زغبا. هذه مقدمة للحكي، فافردوا اشرعة الحب لوعدٍ سابق، عن نثيث ضوء، تحكيه الكاميرا عن مدينة أعشقها ، وحري بكم أن تعشقوا كرن الأنيقة - شجيرة برتقال)!! فهب لي سماحا بهذا البكاء الآن، هذا الذي، سمعتَ أنتَ بعضَ أنغامِه في الحياة!

أخط إليك عزيزي بحرف تنادى عليه الجمالْ، وكل العباد يقولون مرحی به العندليبْ، تغنَّى بروح الفلاسفة الأولی علی معبد الحرف النغمْ. شدى على أيكته "صلاح"، وزفرة "باخوس" تداعب حرفا أتى من شمال، وصوت الكنار على ضفة "توتي" أتاها "حمد" والشواديف تغني أنين السواقي. سكون أرى حولك الأولينْ، وأمَّا الذين ينادون مجدًا بعيدا عليهمْ، فهم كمن لا يرى قول حرفٍ، ودونَهُمُ صراطا مستقيما! يبيعون حرفًا ببخسِ الثمنْ، هنا أو هناكْ، ويأتي البغاثُ إلى سوقهمْ؛ ليشرون حرفًا سقيمَ المنالْ، ولاتَ حروفٍ هي الجوهرةْ، وضوءُ الغوالي على نغمٍ هزَّ منه الكنارْ، على ضفةِ حرفٍ، أتاها حرازٌ حرازْ. هناك أخي، شممْنا أريجًا، أتى كالملاكْ، هناك من الحرف أرْوَى، حين رنَّ علينا أفراحُ المهاجرْ، والجواهر دونها مهرٌ رخيصْ، تلاحِقُه همهماتُ المصالحْ، وزندُ المحاق، لستُ أدري، كيف أدمنتَ الجمالْ، بين أفواهِهمْ، دم كما شئتَ أنتَ، لا كما شاء النِّفاق الرِّفاقْ.

لكَ من قلبٍ، أبكاه لونُ البِلى، فهبَّ يتَلفَّتُ ذات اليمين وذات الشمالْ، فلم يجد غير تلك الدموعْ، تنادي عليك أخي، بابكر عوض الكريم!! هلاَّ فضلتَ الوداعْ، في زمنٍ يُباعُ فيه الغَثُّ، و تُزالُ عن وجوهِ الكونِ الجواهرْ!! تتغير السنون والمحطاتُ والناسُ، وكنتَ كما أنتَ أنتَ، حتى الرحيل النبيل الشريفْ، لم تغيْرك المصالحُ والمطامحْ، في عالمٍ تغيرهم أنفاسُ المَطابِخْ ، فمثلك لا تُهَزهِزهُ العواصفُ حتى للسفر الطويلْ، وفي ظلِّ قبركَ نستريحْ، يا دوحةَ الوفاء.

أراكَ بين الخُرَّد العينْ، واثقُ الهِمَّة جالسْ ، يستبي كلَّ العيونْ ، بين غمديهِ بريقٌ، وحريق وجنونْ، كل ما قِيلَ غثاءٌ، ورمادٌ في العيونْ، فتأمل وتفرسْ، بين قوسي والظنونْ، طلَّتٌ منك حياةٌ، بين علمٍ وفنونْ، يا أخي صنها بعيدًا، من رزازاتٍ هتونْ، صورةٌ فتكتْ بقلبٍ، دمرتْ كلَّ الحصونْ، قف تمهل يا صديقي، فالهوى منكَ جمالٌ وصفاءٌ لا يرونْ." أوتذكر يا نديمي يوم أن قلتَ، أنتَ أيها العالِم مهلا..من أنا؟ ماذا أكونْ؟ غير زخاتِ مشاعرْ وحواشي ومتونْ؟أنتَ دوما في فؤادي في خيالي في نداءاتِ العيونْ..، أيها الإنسان والإحساس والنغم المسافر عبر اجنحة اللحونْ، ياشرايين التواصل والتوادد والمسافات الشجونْ، لاتلمني إن نبتْ منِّي حروفي، فالهوى مهرٌ حرونْ، يكفني منك اشتياقٌ، لم تداريه دموعي..أو تواريهِ السنون.

تذكر يا نديمي وأنتَ في خلودِك الأبدي، يوم أن رددتُ عليكَ، أرأيتَ يا قوسي وحرفي، كيف يشتعل الربابُ لحونا وعيونْ؟عندما تشدو حروفِي، تتأبى لا تخونْ، لا كما يلهُو غلامٌ، هزَّه جوعٌ حرونْ، هذه الأقلامُ تلهو، بين إعجابٍ سقيمٍ لا يصونْ، أو حروفٍ هي مزمارُ حيارى، والنُّدامى في سكونْ! انا إن شئتَ حرفي، أنتَ قوسي وشعري والجُنونْ، ألقُ الشعر تدلَّى، كلما رنَّ التماعا وظنونْ، لا تقَتلِّنا يتامى، بعدكَ الموتُ يهونْ.

فكنتَ أنت أيها الباقي وشاحا بل لقاحا للحياة. كنتَ الأريب الشفيف، قولا وفعلا، هاكَ من قولك دمعا، علها تشفي القلوبْ، يامساءات التفرد وابتهالات الصباحْ .هب لنا منك دنانًا، ملئوها شهدٌ وراحْ، اسقنا فيضَ قصيدٍ، نبعه ماءٌ قِراح، ثم دعنا لِنغني، علَّنا نشفي الجراحْ، يانبيلا زانه العلمُ وشاحْ، ليس لي إلاَّ يراعي، وتعابيرًا مِلاحْ، فاستمحني ياحبيبًا، طبعُهُ ظِلُّ السماحْ.

أوتذكر يا رفيقًا، عندما جاءكَ، نميرُك العذبُ بهذه الأبيات، آمل أن تكون لك قربا إلى محبيكَ في خلودك السرمدي. إترعِ الكأسَ دِنانًاملؤُها فكرٌ صُراحْ، وسُلافًا مِنْ هَوانَا بينَ هاتِيكَ البِطاحْ، وشْوشَتْ مِنهُ العَذَارَى، أوغلتْ فِينَا الجِراحْ، إيهِ مِن صَبٍّ تَهامَى، وتَرامَى لا يُشَفِّيه جِراحْ، نَمنَمتْ حتَّى استفاقَتْ، بينَ قلبِي والهَوى منه بَراحْ، فتدلَّتْ راسياتٌ، تُسمعُ الشدوَ الفِصاحْ، اسقِنِي منها وهبْ لِي، أيْ نَديمِي مَالهاتِيكَ النُّواحْ، أينعتْ فِينَا وبتْنَا، هَجعةٌ من عمرِها، نَستقِي عمرًا بَواحْ؟فلماذَا فتقَ النُّوارُ عينًا، شَقَّ سمعًا غيرَ فاحْ، ؟بينَ حِبِّي والهوَى، دمعٌ غزيرٌ، رقرقتْ فيه الرياحْ، عشعشتْ منه البواكِي، أزكمتْ منه القِراحْ، يا نديمِي وعذابِي، أنتَ شقِّي كلما الجنبُ استراحْ، لا أُسميكَ أميرًا، أنتَ راحٌ في الهوَى مِن غِير راحْ، قف تمهل يا

نديمي، إن في القلبِ جراح، منذ أمسي وأنا، أتلظى من هيامٍ، هده طولُ النَّواحْ، بابكر عوض الكريم الإنسان.

أم ستذكر، يا شفيفًا، ما نثرتُ عليكَ ذات صباح، يا عزيزي المساءاتِ، والصباحاتِ عناقَا، لا تلمني إن تغيبتُ، فأنا أندبُ الحظَّ استباقَا، كلما قلتُ تعال، ردتِ الإقدارُ بُعدا واشتياقَا، غير أني أرقب الفجر ضحوكًا، عندما يشدو عوض الزند دِفاقَا، تنمحي كل المسافات، تبدو دفاقًا دهاقَا، فاعفو عني يا نديمي، إذ أنا بحرُ صبٍ، كُتبتْ على أسجاعها أن تراقَا. ياسليل الشعر الفراديس، تعال إليَّ نغني، لترى ما خبَّأته عيوني بالتمنِّي، عندما تبدو وسيما، لا أجد غير التشفي بالتمنِّي، فاشف ما بي من حريقٍ، ليتَ وجدي يعتلي غير التمنِّي، ولهيبُ الشوق يحدو بي ويُمنِّي، نفسَه بعض سويعات مسرجات بالتمنِّي، إنها العبرات تسري، ثم تجري في بُحيرات التمنِّي.

هذه الأحرف تهفو إليكا، وأنت في رحابك الأبدي إليكَا، يا زندنا يا وهج المداخل والمخارج، خذ من نداماكَا هذه الأحرف ظمآ، نحو لقاياك اشتياقا وعناقَا، أيها الحرف أنينًا زدني من لهف المشاعرْ، والمشاعرْ مالها غير نديمٍ هدَّه طوقُ المشاعرْ، والمشاعرْ تُلهب القلبَ المُعنَّى لظَى إبحار المشاعرْ، والمشاعرْ كلُّها تبدو حجيجًا عند ميقات المشاعرْ، شاعرٌ ازكى ضراما فيَّ من ألقِ المشاعرْ، لستُ أدري يا حبيبي إذ أنا بالبَينِ شاعرْ، طالما "البكرُ" يغنِّي "عِوضا" إن كنتُ شاعرْ، زدنِي من دَلَّك وغنِّي أنني أُرخِي المشاعرْ، مانِي فاكر غير أني أطلب الإبحار شاعرْ، يا سُلافِيَّ العذارَى والنُّدامَى والمشاعرْ ، ما اتاكَ من خيرِ قولي، هو مِن وحي المَشاعر. اهههه

أيها الخالد فينا، بابكر عوض الكريم، نحن لا نبكيكَ ذكرى، نحن نبكي كيف أسمعنا الورى، مثل هذا الفجيع الخبرا، أين من عينينا والدموع تترى، هل تعزيكَ أم حجر أم تواريكَ أسمرا، يا شعاعًا من العزم انبرا، بين صبح يرسل العنابَ نجما أحمرا، وسلافًا من ربيع العمر فجرا أخضرا، نحن جئناك صغارا ، وضممناكَ أميرا أكبرا، هل نناديك وسيمًا أم نناديك ملاكا صُوِّرا؟ تذكر الأيامُ والسنون العنبرا، تذكر الشموعُ وذراريك التي ما أنضره، يوم أن كنتَ زنادا يعربيا، لا يواريه الكرى، وجبالا من طموح، هده طولُ السُّرى، أن تسمعنا نشيدا أو قريضا، كان أندى من حُبيباتِ القِرى، عندما "السيابُ" يأتي، و "المظفر" قد تدبرْ، أن يكون اليوم أنضرْ، إنما الأيام عمرٌ، من نسيج كان أندرْ، أيها المصلوب فينا، مثل موتك لا يُفسَّر، ستظل الشمسَ دوما، في حناياها تُفسَّر، فشروقٌ يأتينا منه غروبٌ، و غروبٌ هو أكبر.

ويحَكِ يا أسمرا، من ذا يُشنف سمعك بعد الآن أسجاعَ الحمامْ؟ من ذا يكحل وجنتيك من البهارْ؟ من ذا يهدد بردتيكِ إذا حل المصيف وجاوزتْ لغةَ الكلام؟ من ذا يقول ما لم تقله الخنساء في صخرها عندما حل الوداعْ؟ من ذا الذي يأتكِ حاجًا ومعتمرا كل عام، قارنًا حبَّ السلامِ ولا يضام؟ من ذا الذي يستافُ رهقَ المسافةِ والشرافةِ والحصافةْ، ويعتلي شرف الإباء بلا انحناءْ؟

عـَـرفــتـُكَ يا راحلا، في لَحظةٍ كُـنـَّا، نـُسَـمِّعُ الــوَرى قـِـــلادةَ الـــشَّـهِـيدْ، هـُـنـَاكَ مِـن " إذاعــةٍ " تـردد الــنَّشيـدْ، هـَـواءَ فـجْـرنـَـا، وصُــبـْحـِنـَا الــذي أفـَـاقَ مِـن جـديـدْ، فـِــي عـَـامِـنـا الـتسعـينَ بـعـدَ الــعـَامْ، وقـــــرنُـنـَا الـذي مـَـضى، وشـعـبـُـنـا تـَـضَـوَّعَ الــمَـسَــا، وفــــارقَ الأسَـــى؛ لـِــتزدهـرْ وتـلـبَـسَ الــفـخَـارَ مِـن جـديـدْ، وعـَـالَـمٌ كـمـا الأسـودُ فِـي عَـريـنِـهـَـا، يُــراقبُ الــبـَعيـدَ والــقـريبْ، هــلْ يـَـأتي فـجْـرُ هــؤلاء بـــالشُّـروقْ؟ أم يـَـــدْلـهِـمُّ أمــرُهـمْ كـَـمَـا الــسُّنـونُ الـغـُـبْـر مِــن جـديـدْ ؟ لـَــــكِّـنـَّهـَــا إرادةٌ تـشـبَّـعـَـتْ مِــن دمـعِـهـَـا، وأسْــكـبَـتْ مِــن كَـبْـدِهـَـا، شـروقَ مَـن روى ثـَــرَاهـَـا، مِــنْ مـَـآقـِـي نـبْـعـِـهِ وهَـمْـسِـهِ الــــعــزيزْ، فـَــأعْـلـنُـوا وأبـْـهَـرُوا عـَــوالِــمَ الــحـيــاةِ، تـسَــامَـقـتْ حـَـنـاجـِـرٌ تــَـفُـوحُ مِــن بعيدْ، لِـتـزدهـرْ وتـلـبَـسَ الـوقَـار من جديد!! "أحلام من رحل، تـشرفت مـكَــانـَهَـا بَـيـنَ الجنان.

لك الرحمة وعاطر المغفرة والرضوان، يا أيها الإنسان، بابكر عوض الكريم، دمتَ حيا وراحلا، لك كل أمانينا الحسان، وعهدنا بك، أخا لا يغيره الرحيل، دمتُ شعلا من الحضور والبهاء والصفاء والخلود. (كل شيء هالك إلا وجهه لك الحكم وإليه ترجعون) صدق الله العظيم.