وكتبه/محمود طاهر زيوريخ
mahmoudtaheir@yahoo.com
09/08/2016 م

 

 

جدوى الخيار العسكري مرة أخرى
 


عند ما اتحدت المرة تلو الأخرى عن جدوى العمل العسكري في إريتريا، فهذا ليس نابع من رغبة في عدم إسقاط الديكتاتورية في اسمرا، بل الأمر اكبر من ذلك، لأنه مرتبط بقضية الاستقرار والأمن المجتمعي، لما بعد زوال الديكتاتورية، والذي هو امر حتمي .

أن المليشيات تظل كما هي مليشيات، حتى وان حُولت إلى جيوش كما هو الحال في إرتريا وبعض الدول الأخرى، وفي عالم تحولت فيه بعض الجيوش إلى ما يشبه المليشيات تقتل شعوبها دفاعاً عن أنظمة مستبدة، فما بالك بحال المليشيات التي يكون فيها الولاء لشخوص قياداتها ومرتبط ومقرون بالوطن، ويمثل عدم الانضباط ابرز السمات المشتركة لكل المليشيات العسكرية، وهي من اكبر المشاكل التي تحول دون تحولها إلى جيوش نظامية.

فالجيش الشعبي كان له قدر من الوطنية ولم يتلوث بآفات الطائفة والمنطقة والقبيلة، و هذه الأمراض كانت منتشرة حصراً في المستويات العليا، و لم يتم تنزيلها إلى مستوى الأفراد من الجنود، لما لذلك من خطر على مشروع التحرير، وكان يجد الكثير من الناس الحرج في سؤال الجندي عن منطقته واصله، لان الرد غالبا ما كان حاداً، لكن هذه السياسة ما لبست إن تلاشت بعد التحرير لأسباب كثيرة، منها سياسات النظام التي صارت اكثر وضوحاً في التمييز والإقصاء على الهوية والثقافة، ولكن رغم ذلك لا تجد إلا القليل من هؤلاء الجنود من يتحدث لك عن هذه الممارسات الغير أخلاقية والغير وطنية بصراحة، لانهم باختصار يعتبرون هذا تدنيس لتاريخ نضالاتهم ،التي كانت تعلى قيمة الوطن حسب وصفهم .

أما المليشيات الموجودة الآن والتي تمثل الأجنحة العسكرية لتنظيمات المعارضة الإرترية، و تتشكل من مختلف الايدلوجيا من اقصى اليمين إلى الوسط مروراً بالنزعات القومية المتطرفة، كل هذه المليشيات لا يمكن أن توفر امناَ ولا سلاماَ بعد سقوط النظام، لان هذه الفسيفساء لا يمكن لها أن تتفق على شيء واحد، دعك من إدارة دولة واحترام إرادة الشعب، اذا كان حالها الآن التنافر والتباغض في لا شيء، فما بالك عند ما تتراء لها بريق السلطة ولمعان المصالح، فمن يستطيع آنذاك إيقاف الطموح المنفلت بقوة السلاح ومن يعبأ براي الشعب وهو يمتلك بيده أدوت السلطة في العالم الثالث ، المتمثلة في القوة الغاشمة.

وبالنظر فيما اَلت اليه الأوضاع بالدول التي انتصرت فيها ثورات الربيع العربي بقوة السلاح كليبيا مثلاَ، حيث تتناحر المليشيات فما بينها باسم الديمقراطية وحق الشعب، فحولوا حياة الشعب إلى جحيم، بسبب ارتباط بعض تلك المليشيات بأجندات وأيدولوجيات دول، وصاروا يتنافسون بالسطو على اسم الشعب وتكليفه في كل جريمة ترتكب، فكل ايدلوجيا لا توفر امننا ولا استقراراً أو تبرر للجريمة لا خير فيها ولا في من يتبناها .

ومثال أخر لحكومة جنوب السودان، التي قامت على الشحن العنصري لميليشياتها وكوادرها، فكانت النتيجة بعد إعلان استقلالها وبالاً على شعب الجنوب، فلم تحتمل تلك القيادات والكوادر الاختلاف فيما بينها، فحولته إلى حرب شعواء على شعبها، لان أيدولوجيتها العنصرية التي على أساسها بنيت قضية الحقوق والمظالم، افتقدت مبررات وجودها بالانفصال، والعدو الذي كان يمثل عامل وحدة بين الفرقاء اصبح من الماضي، وانقلبوا على بعضهم حرباً وتقتيلاً بطريقة مروعة، فعندما تقوم بتعبية وشحن العسكري الاُمي أو متوسط التعليم بالعنصرية والتحريض، على أسس قبلية ودينية سنين طويلة، وتطلب منه بعد ذلك احترام القوانين وحقوق الأنسان، يمثل هذا في الحقيقة ترف فكري لا يحتمله عقل وفهم الجندي، لذا لم تحتمل النفس القائمة على العنصرية وإقصاء الأخر الصراع السياسي في جنوب السودان، وحولته إلى صراع قبلي مسلح ودامي بين الدينكا والنوير، ارتكبت ومازالت فظاعات بحق المواطنين من القبيلتين .

اذا كان هذا حال ليبيا التي كلها مسلمين، وجنوب السودان التي جلها مسيحين، فكيف سيكون حالنا نحن مع هذه المليشيات المختلفة، في الفكر والهدف وحدود وجغرافية إرتريا، والتي لا يجتمع الكثير منها حتى كره النظام، فبعض التنظيمات تكره بعضها اكثر من كرهها للنظام، ومن مفارقاتها إنها ترى نفسها الأجدر بالثقة، من غيرها فلا مبادئ تحكم هذه الترهات، ولا رادع يقف عن تحقيق رغباتها السلطوية ولو كان على حساب أهلهم وذويهم .