كاتب أرتر ى/ الحسين علي كرار

2016/09/22  

 

خلفية الأحداث في أثيوبيا
 


نتيجة للأحداث الجارية في أثيوبيا السودان يتوقع موجات جديدة من اللاجئين الأثيوبيين ، ويعتقد بعض المتعصبين من الهقدف أن هذه الأحداث هي صناعة العبقري أفورقي وهو الذي يديرها ويحركها ، كما يعتقد بعض المحللين أن القاهرة هي وراء هذه الأحداث ، وتتهم
أثيوبيا كلا الطرفين لبعث الحميّة الوطنية ، ولكن إذا نظرنا بالبعد والتحليل لهذه الأحداث فهي في حقيقتها امتداد لذلك الزلزال الكبير الذي أحدثته الثورة الارترية التي كانت انطلاقتها في الفاتح من سبتمبر في العام 1961م لأن نتائج الثورات الكبرى لا تحسم إلا بعد عقود ، فالثورة التي كانت تسمي بثورة الكلاشنكوف لأنها لم تكن تمتلك غيره من أسلحة القتال سميت بذلك في الصحافة اللبنانية التي كانت الرائدة في إعلام السبعينات من القرن الماضي ، فهذه الأحداث هي امتداد لذلك الزلزال الذي هز كامل كيان القرن الأفريقي ولضخامته تساقطت الأنظمة الأثيوبية المتتالية علي يدها أو بتأثيرها من الإمبراطور هيلي سلاسي ، وأمان عندوم ، وتفري بنتي ، ومنغستو هيلي ماريام ،وسقوط نظام محمد سياد بري بعد ما شعر بضعف الأنظمة الأثيوبية علي يد ثوار ارتريا ودخل مغامرة الأوجادين القاتلة ، وهذا الزلزال لم يكتمل تسلسل فصوله الذي بدأ عام 1961إلي يومنا هذا ، فلا بد أن نتناول ونحن في ذكري سبتمبر أسباب هذه الأحداث والصراع الدموي المستمر في المنطقة في نقاط تفيد البعض وتذكر البعض وباختصار:-

1-في عام 1974م وقبله من الأعوام كان للضربات العسكرية القوية والموجعة التي وجهها جيش التحرير الارتري للفرقة الثانية للجيش الأثيوبي المتمركزة في العاصمة الارترية أسمرا الأثر الكبير في الأحداث ،وهي فرقة نوعية أفرادها مدربون في إسرائيل والولايات المتحدة وغيرها من الدول الغربية ، ولكن نتيجة للهزائم الفاضحة الكبيرة التي لحقت بها وقتل قائدها ، تمردت هذه الفرقة علي عرش الإمبراطور هيلي سلاسي لأول مرة ،وتحدثت عن الممنوع،وقدمت عدة مطالب ،وفي مرحلة لاحقة انضمت إليها فرقة أخري كانت مرابطة في بحر دار بالقرب من العاصمة الأثيوبية ، وبالتالي سقط نظام الإمبراطور الكهنوتي علي مراحل قاده صغار الضباط من الأرمو والأمهرا الذين كانوا يحملون الفكر اليساري ، وقتها لم يكن وجود لما يسمي بالجبهة الشعبية ، وجبهة تحرير التجراي وإنما قامتا نتيجة لانعكاسات هذه الأحداث ، وكلا التنظيمان من قومية التجرنية في الدولتين ،هذا الزلزال الأول الذي أحدثته الثورة الارترية بإسقاط نظام الإمبراطور هيلي سلاسي عام 1974م لم تشارك

فيه كذلك أية قوة أجنبية سواء كانت ظاهرة أو خفية ، إنما كان بيد ارترية خالصة كانت تبحث عن الحرية والاستقلال الناجز وكان الثمن فيها غاليا في المدن والأرياف علي السواء.

2-وعندما أقام الدرقي نظام حكمه اليساري في أثيوبيا ، انهار النفوذ الغربي وأصبحت قلعة الغرب المحمية منذ قرون بيد الاشتراكية الدولية ونفوذ الإتحاد السوفيتي وذلك في ظل الحرب الباردة والقائم بعضها في المستعمرات في أفريقيا الجنوبية ، وقد فتك منغستو هيلي ماريام بالموالين للغرب وبالعائلة المالكة وأتباعها من كبار قادة الدولة المدنيين والعسكريين وشردهم ، حتى من أتي بهم في المرحلة الانتقالية هدم فوق رؤوسهم القصور ، ولجأ الكثيرون من أعوان الإمبراطور إلي الغرب وتفرقت بهم السبل، وهنا لا بد أن نتوقف علي نقطتين أساسيتين الأولي أن الثورة الارترية بحكم محاربتها لنظام موالي للغرب كان دعمها من الدول العربية ودول المعسكر الاشتراكي وكان هدفها تحرير كامل للتراب الارتري من المستعمر الأثيوبي ، والنقطة الثانية أن نظام منغستو كان نظام إيديولوجي يؤمن بالفكر الماركسي ودكتاتورية البلوريتاريا وبأثيوبيا الموحدة من ضمنها ارتريا، ولهذا خلط البعض وهم من المعسكر الاشتراكي وبعض اليسار العربي بين فكر الثورتين.

3-وجدت الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية الأرضية الصالحة لإستراتيجيتهم لإسقاط نظام منغستو وإعادة نفوذهم علي أثيوبيا الأرضية الارترية الجاهزة من بنية الثورة التحتية وإنسانها الجاهز للقتال ، وقد استبعدوا جبهة التحرير الارترية لارتباطاتها السابقة بالمعسكر الشرقي وبالدول العربية ، وتبنوا تأسيس تنظيم جديد داخل قوات التحرير الشعبية بقيادة اسياس أفورقي للعوامل الدينية والعرقية والنفسية ،وبالمقابل دعموا جبهة التجراي بقيادة ملس زبناوي وتم التنسيق بينهما ،واستقبل التنظيمان كل أعوان الإمبراطور هيلي سلاسي من عسكريين وإداريين ودبلوماسيين وأكاديميين ومحاضرين الجامعات وكل الكفاءات التي كانت تتعامل مع الإمبراطور قد تم استيعابها في هذين التنظيمين وبالتالي رفعوا كفاءة أدائهما ، وكان إعدام أمان عندوم الارتري ربيب القصر الملكي ومعه أربعة من جنرالات التجراي المتضامنين معه والذين هدم منغستو فوق رؤوسهم القصر الملكي في أديس أبابا عامل كبير لوحدة التجرنية ، لقد دعمت الدول الغربية هذا الحلف الذي أنشأته من التجراي تجرنية بقيادة ملس زبناوي واسياس أفورقي وجماعته داخل قوات التحرير الشعبية بدعم عسكري ومالي وبكافة أنواع السلاح البري والبحري واللوجستي، بعد أن استبعدت وهمشت بقية الثوار الذين كانت مطالبهم واضحة وهو تحرير كامل التراب الارتري ، هذا بجانب عامل المخابرات الذي قامت به هذه الدول داخل جيش الجنرال منغستو عن طريق استخباراتها وتجنيد

ضباط الأمهرا والأرومو وتحفيزهم بالحوافز المستقبلية ، حتى كان دخول قوات الحلف أسمرا وأديس أبابا دون إطلاق نار وتجنيب المدينتين من الدمار ، وهنا تظهر لعبة الغرب في لحظة الانتصارات الأخيرة علي منغستو ، إذ عمدوا بإشراك طرف منغستو المستسلم بضمان مصالحه في السلطة وهم في غالبيتهم من الأرمو والأمهرا ، كطرف ثالث في المعادلة السياسية وكان اللاعب الأساسي الولايات المتحدة ، وبمعرفة طرفي التجرنية الأثيوبي والارتري وقبل زبناوي ذلك لإدراكه بما قامت به الولايات المتحدة بالمشاركة الفعالة لإسقاط نظام منغستو هيلي ماريام.

4-حلف التجرنية بزعامة اسياس أفورقي وملس زبناوي حتى تلك اللحظة كان متماسكا في وحدته وأهدافه وإستراتيجيته بنظرته الشمولية بإعادة سلطة دولة أكسوم والهيمنة علي عموم أثيوبيا وإعطاء نوع من الاستقلال لارترية ولهذا لم تكن الشعبية واضحة فيما يربطها من علاقات مع التجراي ومحادثات سرية كانت تجريها مع الولايات المتحدة أمام شعبها وهي الضبابية التي يقتل الشعب الارتري بسببها حتى اليوم وتبعاتها عندما اختلف الإخوة التجرنية فيما كان مكتوما بينهم ، كذلك من ضبابيتها وحنينها لأثيوبيا الكبرى كانت استبدلت العلم الارتري الوطني الذي وافق عليه البرلمان الارتري في أربعينات القرن الماضي وذو اللون الأزرق والغصن الأخضر ،و بعد أن أسقطه الإمبراطور هيلي سلاسي اتخذته الثورة علما لها و كانت تقاتل تحت ظله ، ولكن أفورقي أسقطه مرة ثانية واستبدله بعلمه الذي يحمل ألوان العلم الأثيوبي وهي اللون الأحمر والأصفر والأخضر ، ومثله كان علم التجراي بألوانه الأحمر والأصفر والأخضر إنه كان حلم أثيوبية الأكسومية الكبرى الذي دمره الراعي الأمريكي ووأده في مهده وتركوا أفورقي الطامح لحكم أثيوبيا يبكي ويلعق جراحه.

5-عندما فرضت عليهم الولايات المتحدة الطرف الثالث كان ملس زبناوي في غاية الذكاء فأقام دولة المؤسسات وتنازل للطرف الثالث عن سلطة الرئاسة وسلطة التشريع واحتفظ لتنظيمه برئاسة الوزراء وجعل من حزبه المهيمن علي كافة منافذ الدولية الأمنية والعسكرية والاقتصادية وأعطي أولوية الإنماء لإقليمه الذي دمرته الحرب ، عكس أفورقي الذي تجاهل تنمية مناطق الدمار ، وبمرور الأيام أصبحت السلطة الفعلية لقومية التجراي داخل أثيوبيا كما حصل في ارتريا ، وشعر الأرمو والأمهرا بالإقصاء وهم مدعومون من الغرب بقيادة الولايات المتحدة لأن الانتهاكات الصارخة التي تمارسها سلطة التجراي في أثيوبية من أجل الحفاظ علي سلطتها ظاهرة للعيان ، بينما نحا أفورقي بعد عداءه التجراي وإبعاده عن الساحة الأثيوبية التي كان يطمح أن يقودها ،بدأ بمصادرة حقوق الإنسان في ارتريا فهو لم يؤسس دولة وكيان مؤسساتي هش كما فعل تجرنية أثيوبيا وإنما اعتمد علي نظام المليشيا الذي كان يقوده قبل

التحرير فانشأ نظام ما قبل القرون الوسطي حصر فيه كافة صلاحيات الدولة في أيدي طائفته التجرنية، وصادر فيه أراضي الغير وبدأ بتوطين قوميته عليها ،ورفض عودة اللاجئين الذين أحرقتهم حرب التحرير ، وأعطي طابع الأكسومية لهوية الدولة الثقافية ، فالمقارنة بين حكم الأخوين ، أن التجراي أسسوا دولة المؤسسات ولكنهم أعطوا لغيرهم من الأرمو والأمهرا وغيرهم من القوميات حقوق في حدود ما يناسب سلطتهم ، بخلاف تجرنية ارتريا الذين صادروا كافة الحقوق واعتبروا بقية القوميات عبيدا وخدما لسلطانهم.

6-هكذا نجد أن الزلزال الذي أحدثته ثورة الفاتح من سبتمبر عام 1961 بقيادة الشهيد حامد إدريس عواتى في كل من ارتريا وأثيوبيا لم ترسو بواخره علي شواطئ الأمان الدافئة فكانت مراحل الخمسة والعشرون عاما انتقالية ، وبعد انعدام أسس الدولة في ارتريا بسلطة الفرد وطائفته ،وسقوط مريع لكل المؤسسات التي تركها الاستعمار قد سقط نظام افورقي فعليا وتجاوزه الزمن ، وبعد الأحداث الأثيوبية الأخيرة في أثيوبيا تعتبر انتهت المرحلة الانتقالية المضطربة في كلا الدولتين وانتهي حكم الأخوة الأعداء الذين أشقوا العباد وحصروا تفكيرهم ومنهجهم في كيف يهيمنون علي الآخرين ولم يفكروا في كيف تكون الشراكة مع الآخرين في الدولة بالعدالة، بعد أن خدمتهم الظروف وأوصلتهم السلطة قد أساؤوا إدارتها.

7-وبهذه الأحداث تكون قد بدأت مرحلة جديدة تبحث عن دول المؤسسات الحقيقية التي تنهي عصر الحقوق الموهوبة والممنوحة و تظهر في أفقها قدوم دول الحقوق المنزوعة بالقوة ، دول لا سيد فيها ولا مسود ، دول يسودها القانون وتسودها العدالة ، ويسودها النضج السياسي وترفض ممارسات السلطات الانفرادية للأفراد أو القوميات.

8-أثيوبيا الدولة المحروسة من الغرب عبر قرون للحفاظ علي وحدتها والمحافظة علي مسيحيتها مهما سادها الاضطراب ، سوف لا يقبل هذا الغرب بتفتيتها لأن ذلك يعني سيادة الإسلام في كل أطرافها بتفوق نسبة المسلمين في عدد السكان علي المسيحيين، وهي بداية لحروب جديدة ،وكذلك أمام الغرب تجربة دولة جنوب السودان الفاشلة والمريرة والتي انتزعوها عنوة من السودان وهم يضربون لها دفوف الأفراح ، فتحولت علي أيديهم إلي مآتم ، وأصبحت عالة في رقابهم ، فمغامرات تقسيم أثيوبيا سوف لا يسمحوا به ، ولكن المصير المجهول يكتنف ارترية التي دمرها أفورقي وأدخلها النفق المظلم بمؤامراته واتفاقياته السرية ، ويراهن بها الأنظمة الأثيوبية القادمة لعله يجد شيئا مما يبتغيه ، وهو رهان ليس في مصلحة الشعب الارتري ، ولهذا من نام واستسلم لمؤامرات أفورقي نامت عليه فالحقوق تنزع ولا تعطي وهي مرحلة مفصلية بين الوطنية وعدمها وبين الوحدة والتقسيم.