بقلم / محمد صالح مجاوراى
الولايات المتحدة الأمريكية

03/09/2018

 

خواطر حول التغيرات والتطورات الأخيرة في اثيوبيا ( ١ )

2018/08/26

عونا شاءت الأقدار أن أكون على بعد أمتار من رئيس الوزراء الاثيوبى د. أبى أحمد عندما ألقى كلمته أمام مؤتمر منظمة بدر للجالية المسلمة الاثيوبية وهو مؤتمر سنوي تعقده الجالية في شمال أمريكا.

------------------------------------------

  منبر الحـــــوار


خواطر حول التغيرات والتطورات الأخيرة في اثيوبيا ( ٢)
 


كما ذكرت في الحلقة الأولى أتيحت لى فرصة لقاء على هامش المؤتمر مع بعض قيادات المجتمع الاثيوبي المسلم ممن قدموا من اديس للمشاركة في المؤتمر. وكان هدف اللقاء الاستماع اليهم لمعرفة ما تم في اثيوبيا من أحداث في الآونة الأخيرة. كانت فرصة جميلة أن أسمع الأحداث ممن شاركوا في صنعها. وكان الهدف الآخر من اللقاء تنوير هذه القيادات بوضع الساحة الارترية ومعاناة الشعب الارترى في ظل حكم الدكتاتور أسياس أفورقى. وقد قاموا مشكورين بتنويرنا بماجرى من أحداث في اثيوبيا أدت الى التغييرات الجارية هذه الأيام وقد أكدوا جميعا بأن الفضل في التغييرات التي جرت بعد الله سبحانه وتعالى تعود الى الشعب الاثيوبى الذى قام بمظاهرات وعصيان مدنى لفترة طويلة مما أجبر الحكومة على الرضوخ لمطالب التغيير وأدى كذلك الى اطلاق سراحهم وسراح عشرات الآلاف من المسجونين. هذا بالطبع يتنافى مع بعض التحليلات السياسية التي تصف كل ما يجرى بمخططات يتم تنفيذها لصالح قوى خارجية بل وحتى يذهب البعض الى أنها من نسج التجراويين أنفسهم وكأن الشعوب ليست لها القدرة على تغيير الأمور. وكأن كل حركة تقوم بها الشعوب ماهى الا تنفيذ لمخططات ومؤامرات. صحيح أن الثورات يمكن سرقتها واخمادها أو حتى اثارة ثورات مضادة لها كما رأينا في مصر وغيرها الا أنه يجب ألا ننفى بان حراك الشعوب هو الأصل وهو الذى يصنع الأحداث وبإمكان الشعوب ان تغير. مثل هذه التحليلات التي تقوم على نظريات المؤامرة الخارجية وأن كل حركة هي مخطط لها مسبقا من قبل القوى الخارجية هي تحليلات تنشر الإحباط في الشعوب وترسل رسائل غير مباشرة الى المواطن والانسان العادى بأنه لا يمكنه التغيير وأن كل حركة أو تغيير سمع بها ماهى الا جزء يسبح في فلك مؤامرة أو مخطط مرسوم وأنه ليس له من الأمر شئ. هناك الكثير مما يمكن تعلمه من التجربة الاثيوبية التي أثبتت مرة أخرى أن الشعوب قادرة على التغيير.

الأروميون رغم قلة تعليمهم بسبب ما تعرضوا له من تهميش وعزل لمناطقهم وتجهيل متعمد لعقود طويلة الا أنهم استطاعوا -رغم تنوع دياناتهم وتعدد قواهم السياسية والمدنية والعسكرية - أن يوجهوا طاقاتهم باتجاه مطالب التغيير ومطالب الحقوق حتى تمكنوا من أن يأتوا بابنهم الى سدة الحكم. والدرس الذى يمكن ان نستفيده نحن الارتريون من هذه التجربة هو أننا اذا لم نستطع أن نوحد قوانا فعلى الأقل أن نتوحد في أن تكون معركتنا دائما تجاه النظام والتوقف عن المعارك الداخلية بين قوى التغيير اذا أردنا الوصول الى أهدافنا. فهذه المعارك والصراعات الداخلية ِأضحت تشتت الجهود وتطيل في عمر الدكتاتور ونظامه.

من دروس التجربة الاثيوبية كذلك أنه يمكنك من قيادة ثورة عبر جهاز الحاسوب (اللابتاب) اذا آمن شعبك بصدقك وكنت على تواصل جيد معه فى الداخل والخارج. السيد/جوهر محمد والذى أدار شبكة أروموا الإعلامية من الولايات المتحدة الأمريكية هو خير مثال لذلك. كان له دور كبير في تحريك جماهير الداخل عبر صفحته في الفيسبوك وشبكته الإعلامية وكان حراك الداخل يأتمر بأمره. كان يأمر من خلال صفحته بقفل المحلات في مناطق معينة أو عصيان مدنى في أيام معينة فتستجيب له الجماهير الهادرة ليتسبب فى شلل اقتصادى كامل. حاولت الحكومة مرات عديدة الى التشويش على شبكته بل وحتى قطع الانترنيت لأيام حتى لاتصل رسائله ولكنه في كل مرة كان قادرا على إيصال رسائله. هذا الرجل يتبعه حوالى

مليون ونصف المليون على صفحته في الفيسبوك. وهو سياسى ذكى يعرف كيف يحرك ويوجه الجماهير نحو أهداف محددة. في تغريدته التيى أرسلها الى رئيس الوزراء الاثيوبى المنتخب د. أبىى احمد بتاريخ ٢٧ مارس ٢٠١٨م مهنئا له على تولى منصبه لم ينسى أن يعطى توجيهاته ونصائحه للقادم الجديد. حيث خاطبه قائلا " تهانينا د. أببى أحمد. لقد صعدت إلى رأس السلطة في أكثر الأوقات حساسية في تاريخ البلاد. لتتمكن من إنقاذ البلاد من الأزمة الخطيرة الحالية عليك القيام فورا بالمهام التالية:

١.بدء الحوار مع المعارضة من أجل التمهيد لوضع خارطة طريق نحو التحول الديموقراطى على الفور

٢. رفع حالة الطوارئ غير القانونية

٣. الافراج عن جميع السجناء السياسيين

٤. اصلاح الجهاز الأمني بحيث يعكس التنوع العرقى للبلاد

وقد تحققت معظم النقاط الأربعة التي طالب بها جوهر محمد. لم ينسى د.أبيى أن يسجل زيارة لهذا الرجل في ولاية منسوتا الأمريكية وأن يعانقه وبل ويقدمه على نفسه في مخاطبة الجماهير الحاشدة أثناء زيارته الأخيرة لولاية منسوتا الأمريكية تقديرا للدور الذى لعبه السيد/ جوهر محمد في الحراك الثورى والتغييرات التي حصلت. وقد عاد السيد جوهر ضمن قوافل العائدين للمشاركة في تأسيس نظام الحكم الجديد في اثيوبيا. وقد كان في استقباله عشرات الألاف وخاصة من فئة الشباب التي كانت تأتمر بأمره. في يوم عودته وأمام الحشد الجماهيرى الذى استقبله سلم سلاحه ( جهاز اللابتاب) الذى كان يحارب به وسط صيحات مؤيديــه معلنا انتهاء مرحلة الصراع مع النظام والانتقال الى مرحلة جديدة تحتاج الى المصالحة الوطنية والمشاركة السياسية. بنظرى تجربة هذا الرجل بكل مافيها من إيجابيات وسلبيات تستحق الدراسة في عالم قيادة الثورات. ومع حلقة قادمة لنكمل الحديث عن خواطر أخرى.

محمد صالح مجاوراى
الولايات المتحدة الأمريكية
٣ سبتمبر ٢٠١٨م